تشهد العاصمة عمان في الآونة الأخيرة تحولاً عمرانياً متسارعاً رافقته أزمة خانقة باتت تضرب عمق الحياة اليومية للمواطنين داخل الأحياء السكنية.
لم تعد المشكلة مقتصرة على الاكتظاظ المروري في الشوارع الرئيسية بل انتقلت عدواها لتخنق الشوارع الفرعية والداخلية وتكاد تحول الجيرة الطيبة إلى ساحات من الخلاف والنزاع اليومي المستمر على بقعة صفراء أو موقف سيارة مفقود.
إن التوسع العمراني العشوائي المتمثل في تكاثر العمارات السكنية والشقق المتلاصقة دون توفير الحد الأدنى من مواقف السيارات التي تتناسب طرداً مع عدد الشقق والقاطنين، خلق فجوة حقيقية بين الواقع والمأمول.
ومع غياب منظومة نقل عام داخلية فاعلة ومنتشرة بتكلفة مقبولة داخل الأحياء وجد المواطن نفسه مجبراً على الاعتماد الكلي على سيارته الخاصة لتصطدم هذه المركبات بواقع مرير قوامه شقق بلا مواقف وشوارع ضيقة تعجز عن استيعاب هذا السيل الهائل من الحديد.
وتتداخل عدة عوامل جوهرية لتشعل فتيل هذه الأزمة داخل الأحياء السكنية في عمّان ولعل أبرزها يكمن في القصور الواضح في التراخيص العمرانية ومنح رخص للبنايات السكنية والتجارية دون اشتراطات صارمة تكفي لعدد السكان الحقيقي والمركبات المتوقعة لكل شقة. يضاف إلى ذلك الضغط الهائل على البنية التحتية إذ إن التصميم القديم للشوارع الفرعية لا يتماشى مع التطور السكاني الهائل وزيادة عدد العائلات في البناية الواحدة فضلاً عن ضعف النقل العام الداخلي وغياب شبكة نقل مرنة تربط المداخل بالشوارع الرئيسية وارتفاع تكاليف التنقل البديلة.
والتساؤل الأهم الذي يفرض نفسه بقوة اليوم: إلى متى تستمر هذه الحالة من الاحتقان؟ وهل سنشهد مرحلة تتأزم فيها النفوس وتصل إلى حد الصدام والتوتر اليومي بين الجيران بسبب أزمة الاصطفاف وأحقية استخدام الشارع العام؟ إن بقاء الحال على ما هو عليه ينذر بتآكل النسيج الاجتماعي داخل الأحياء حيث تتحول الأماكن العامة أمام المنازل إلى بؤر توتر وخلاف مستمر ينذر بتداعيات مجتمعية لا تحمد عقباها.
إن مواجهة هذه الأزمة تتطلب شجاعة في التشخيص وحزماً في القرار وتبدأ أولاً بسن تشريعات وقوانين واضحة وصارمة تعالج إشكالية المواقف في العمارات السكنية القائمة والمستقبلية بما يضمن حقوق السكان ويحمي الشوارع العامة من التحول إلى مرآب دائم. كما تتطلب الأزمة مراجعة شاملة وحقيقية من أمانة عمان الكبرى لإعادة النظر في شروط ترخيص المباني السكنية والتجمعات التجارية داخل الأحياء السكنية وربط الترخيص بشكل وثيق بالسعة المرورية والكثافة السكانية وإبعاد الأنشطة التجارية عن قلب الأحياء السكنية الضيقة.
ولا يمكن تحقيق ذلك بالكامل دون إحداث ثورة حقيقية في قطاع النقل العام الداخلي عبر توفير وسائل نقل عام ذكية وفعالة داخل الأحياء وبتكاليف ميسورة لتمكين المواطنين من قضاء احتياجاتهم دون الحاجة الماسة لاستخدام المركبات الخاصة مما يخفف الضغط الهائل عن الشوارع الفرعية ويعيد السكينة إلى الشارع الأردني.
