* مجلس الأمناء يمثل أعلى سلطة حوكمية وإشرافية في الجامعات، مشيراً إلى أن استمرار غيابه بعد انتهاء مدة المجالس السابقة يثير تساؤلات حول آليات إدارة العديد من الملفات والقرارات الاستراتيجية.
*دور مجلس الأمناء لا يقتصر على الإشراف الإداري، بل يمتد إلى رسم السياسة العامة للجامعة، وإقرار الخطط الاستراتيجية والموازنات، ومتابعة الأداء الأكاديمي والإداري والمالي.
*جميع الجامعات الحكومية تضم عمادات للبحث العلمي والدراسات العليا، إلا أن المخصصات المالية الموجهة لهذا القطاع لم تعد كافية.
*توفير الأجهزة والمختبرات والمواد العلمية اللازمة، ودعم الباحثين من أعضاء هيئة التدريس وطلبة الدراسات العليا لم تعد موجودة بعد تعديل الموازنة للجامعات
* 54% من الطلبة العرب الذين يدرسون في الدول الغربية لا ينوون العودة إلى أوطانهم بعد التخرج
*أن استمرار الحروب والاضطرابات السياسية في المنطقة العربية أسهم بشكل مباشر في استنزاف العقول والكفاءات، كما شهدته دول مثل العراق وسوريا ولبنان وفلسطين.
اسراء الخوالدة
استضافت "أخبار البلد” في مقرها الأستاذ الدكتور سلطان أبو عرابي العدوان الذي يعتبر واحدة من الشخصيات الاكاديمية المهمة حيث شغل منصب رئيس جامعة اليرموك وايضا رئيس جامعة البلقاء التطبيقية و رئيس جامعة إربد الوطنية كما انه شغل منصب الأمين العام لاتحاد الجامعات العربية، ما جعل له بصمة في التعليم العالي والذي لا زال مصراً على العطاء بنفس العزيمة ، في حوار تناول واقع التعليم العالي في الأردن، ومستقبل البحث العلمي، وأبرز التحديات التي تواجه الجامعات الأردنية، إلى جانب ملف هجرة الكفاءات والعقول العربية.
واستهل أبو عرابي حديثه باستعراض محطات من مسيرته الأكاديمية والعملية، التي امتدت لعقود في خدمة التعليم العالي، مؤكداً أن الإخلاص في العمل والعلم كان وما يزال الركيزة الأساسية في مسيرته، وأن خدمة الوطن وبناء الإنسان تمثلان أولوية لا يمكن التنازل عنها.
وفي حديثه عن واقع الجامعات الأردنية، أكد أبو عرابي أن مجلس الأمناء يمثل أعلى سلطة حوكمية وإشرافية في الجامعات، مشيراً إلى أن استمرار غيابه بعد انتهاء مدة المجالس السابقة يثير تساؤلات حول آليات إدارة العديد من الملفات والقرارات الاستراتيجية التي ينص قانون الجامعات الأردنية على أنها من اختصاصه.
وأوضح أن منظومة الحوكمة الجامعية تبدأ من الأقسام الأكاديمية، مروراً بمجالس الكليات ومجلس العمداء ومجلس الجامعة، وصولاً إلى مجلس الأمناء الذي يشكل قمة الهرم الإداري والرقابي، حيث تُرفع إليه القرارات الجوهرية لاعتمادها وفقاً للتشريعات النافذة.
وأضاف أن دور مجلس الأمناء لا يقتصر على الإشراف الإداري، بل يمتد إلى رسم السياسة العامة للجامعة، وإقرار الخطط الاستراتيجية والموازنات، ومتابعة الأداء الأكاديمي والإداري والمالي، إلى جانب اعتماد إنشاء الكليات والبرامج الأكاديمية، وإقرار الرسوم الدراسية والاتفاقيات، والإشراف على الاستثمارات والموارد المالية، فضلاً عن صلاحيات تتعلق بتعيين القيادات الجامعية وفق أحكام القانون.
وأشار إلى أن قانون الجامعات الأردنية يشترط في العديد من الحالات عرض قرارات مجلس الجامعة أو مجلس العمداء على مجلس الأمناء لاستكمال الإجراءات القانونية، الأمر الذي يجعل وجوده جزءاً أساسياً من منظومة اتخاذ القرار داخل مؤسسات التعليم العالي.
ولفت إلى أن انتهاء مدة مجالس الأمناء في 25 حزيران الماضي، دون إعادة تشكيلها حتى الآن، يفرض علامات استفهام حول كيفية التعامل مع الملفات التي تقع قانوناً ضمن اختصاص هذه المجالس، ومدى استكمال الإجراءات الخاصة بالقرارات الاستراتيجية، خصوصاً مع اقتراب بدء العام الجامعي الجديد.
وأكد أن مجلس الأمناء يشكل الضامن الرئيس للحوكمة والرقابة والتوازن بين الاستقلال الأكاديمي والإدارة الرشيدة، معتبراً أن استمرار هذا الفراغ المؤسسي يستوجب توضيحاً رسمياً يبدد حالة الجدل القائمة في الأوساط الأكاديمية.
وفي محور آخر، قال أبو عرابي إن البحث العلمي في الأردن ما يزال قائماً داخل الجامعات، إلا أنه يشهد تراجعاً واضحاً مقارنة بما كان عليه قبل نحو خمسة عشر عاماً، نتيجة مجموعة من التحديات المالية والأكاديمية.
وأوضح أن جميع الجامعات الحكومية تضم عمادات للبحث العلمي والدراسات العليا، إلا أن المخصصات المالية الموجهة لهذا القطاع لم تعد كافية، لافتاً إلى أن الحكومة كانت في السابق تقدم دعماً مباشراً للجامعات لتمويل المشاريع البحثية، إلا أن هذا الدعم توقف بعد تعديل الموازنة، ما أثر على قدرة الجامعات في تمويل الأبحاث، وتوفير الأجهزة والمختبرات والمواد العلمية اللازمة، ودعم الباحثين من أعضاء هيئة التدريس وطلبة الدراسات العليا.
وأضاف أن التراجع لا يرتبط بالتمويل وحده، بل يشمل أيضاً نقص الكوادر الأكاديمية المؤهلة، وتراجع مستوى الكفاءات الطلابية مقارنة بالسنوات السابقة، وهو ما انعكس على جودة الإنتاج البحثي.
وفيما يتعلق بهجرة العقول، وصف أبو عرابي الظاهرة بأنها من أكبر التحديات التي تواجه الجامعات العربية، مؤكداً أن الأردن ليس بمنأى عنها.
واستذكر تجربته الشخصية، موضحاً أنه بعد حصوله على درجة الدكتوراه عام 1981 عُرضت عليه الجنسية الأمريكية، إلا أنه رفض العرض وفضّل العودة إلى الأردن، لأن البيئة الأكاديمية آنذاك كانت أكثر جذباً للكفاءات، وكانت الرواتب في الأردن تتفوق على نظيراتها في بعض دول الخليج، الأمر الذي شجع الأكاديميين على العودة وخدمة جامعات الوطن.
وأشار إلى أن المشهد تغير بصورة كبيرة، إذ إن غالبية الطلبة الذين يواصلون دراساتهم العليا في الولايات المتحدة وأوروبا لا يبدون رغبة في العودة، مؤكداً أن هذه الظاهرة تمتد إلى معظم الدول العربية.
وعزا هجرة الكفاءات إلى عدة أسباب، من أبرزها غياب الاستقرار السياسي في عدد من الدول العربية، وضعف البيئة البحثية والأكاديمية، وقلة المختبرات والتجهيزات الحديثة، إضافة إلى انخفاض الرواتب والحوافز، وغياب الحرية الأكاديمية التي تشكل أحد أهم عناصر الإبداع والابتكار.
واستشهد بعدد من النماذج العربية التي حققت نجاحات عالمية بعد هجرتها، من بينها العالم عمر ياغي، المولود في الرصيفة، والذي واصل مسيرته العلمية في الولايات المتحدة، إلى جانب العالم المصري أحمد زويل الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء، مؤكداً أن البيئة البحثية المتقدمة كانت العامل الأبرز في تحقيق إنجازاتهم.
وكشف أبو عرابي عن أرقام وصفها بالمقلقة، مبيناً أن نحو 54% من الطلبة العرب الذين يدرسون في الدول الغربية لا ينوون العودة إلى أوطانهم بعد التخرج، فيما يشكل الأطباء العرب أو المسلمون نحو 30% من العاملين في القطاع الطبي في بريطانيا.
وأضاف أن ألمانيا كانت تضم قبل نحو عشرين عاماً عشرات الأطباء الأردنيين فقط، بينما يعمل فيها اليوم ما يقارب ثلاثة آلاف طبيب أردني، إلى جانب آلاف الأطباء العرب في الولايات المتحدة ودول أخرى، نتيجة ما توفره تلك الدول من بيئة علمية متقدمة، وإمكانات بحثية كبيرة، وحوافز مهنية ومالية أفضل.
وختم أبو عرابي حديثه بالتأكيد على أن استمرار الحروب والاضطرابات السياسية في المنطقة العربية أسهم بشكل مباشر في استنزاف العقول والكفاءات، مستشهداً بما شهدته دول مثل العراق وسوريا ولبنان وفلسطين من هجرة واسعة للعلماء والأكاديميين، مشدداً على أن الاستقرار السياسي، إلى جانب توفير بيئة بحثية جاذبة، يمثلان الأساس في بناء منظومة تعليم عالٍ قادرة على المنافسة والحفاظ على كفاءاتها.