التأمين الطبي ليس طرفًا في الخلاف… والمواطن ليس الحلقة الأضعف
زهور الداود – رئيسة الجمعية الأردنية لوسطاء التأمين
إن ما يشهده قطاع التأمين الطبي في الأردن على خلفية قرار وقف التعامل مع عدد من شركات التأمين وشركات إدارة التأمين الطبي، يثير قلقًا مهنيًا واقتصاديًا حقيقيًا، ليس فقط لما قد يترتب عليه من آثار على الجهات المعنية، بل لما يضعه أمام المواطن المؤمن له من تحديات تمس حقه في الحصول على الخدمة الطبية ضمن التغطية التأمينية التي التزم بدفع أقساطها.
ونؤكد بدايةً احترامنا لدور الأطباء وحقوقهم المهنية، وحقهم في المطالبة بأتعاب عادلة تحفظ كرامة المهنة واستدامة تقديم الخدمات الطبية. إلا أن معالجة الخلافات بين الأطراف المعنية يجب أن تتم من خلال الحوار والتفاهم والمرجعيات المختصة، بعيدًا عن أي إجراءات تنعكس آثارها على المواطن الذي لا علاقة له بأسباب الخلاف ولا ينبغي أن يتحمل تبعاته.
إن قطاع التأمين الطبي منظومة متكاملة تقوم على الشراكة بين الطبيب وشركة التأمين وشركات إدارة التأمين الطبي والمؤمن له. وأي خلل في هذه العلاقة لا يمكن معالجته بمعزل عن بقية أطرافها، كما لا يجوز أن تتحول الخلافات المهنية والتعاقدية إلى سبب لإرباك المستفيدين من التغطيات التأمينية أو تحميلهم أعباء مالية مفاجئة لم يخططوا لها.
فالمواطن الذي يحمل بطاقة تأمين طبي، ويتوجه إلى عيادة الطبيب اعتمادًا على تغطيته التأمينية، ليس بالضرورة مستعدًا لدفع قيمة المعاينة نقدًا. فقد يكون قد رتّب التزاماته المالية على أساس أن لديه تأمينًا يغطي الخدمة وفقًا لشروط وثيقته، وليس من المنطقي أن يجد نفسه أمام خيار الدفع الفوري الذي قد لا يستطيع تحمّله، ثم يُطلب منه متابعة إجراءات استرداد المبلغ لاحقًا.
فليس كل مواطن قادرًا على دفع خمسين دينارًا أو أكثر بصورة مفاجئة، حتى لو كان مؤمنًا تأمينًا ساريًا. ومن هنا، فإن تحويل الخدمة إلى الدفع النقدي، وإن كان مصحوبًا بإيصال يتيح للمؤمن له المطالبة بالتعويض وفق الإجراءات والشروط المعمول بها، لا يلغي العبء المالي الفوري الذي يُلقى على عاتقه، ولا يعالج الإشكالية الأساسية المتمثلة في حصوله على الخدمة التي رتّب أموره على أساس استحقاقها.
إن إصدار إيصال بالدفع قد يساعد في استكمال إجراءات المطالبة، لكنه لا يوفر للمواطن السيولة التي يحتاجها في لحظة تلقي الخدمة، ولا يضمن وحده استرداد المبلغ فورًا أو دون إجراءات. وهذه حقيقة ينبغي أخذها بعين الاعتبار عند اتخاذ أي قرار يمس آلية تقديم الخدمات الطبية للمؤمن لهم.
ومن جانب آخر، فإن تحميل قطاع التأمين المسؤولية بصورة عامة، أو الإضرار بسمعة شركاته أمام المواطنين، لا يخدم استقرار السوق
المواطن المؤمن له ليس طرفًا في الخلاف، ولا يجوز أن يكون ضحيته.
كما أن المساس بسمعة شركاتٍ بنت مصداقيتها وثقة المواطنين بها على مدار عقود من الزمن ليس أمرًا عابرًا أو بلا تبعات؛ فهو إساءة لها ثمن، ويجب أن يقابله ردع واضح ومسؤول ضمن الأطر القانونية، حمايةً لسمعة المؤسسات وصونًا للثقة العامة بمنظومة التأمين