النائب الكابتن زهير محمد الخشمان
زيارة بكين لم تكن بحثاً عن سوق جديدة بقدر ما كانت محاولة لإعادة تعريف موقع الأردن في الاقتصاد الجديد
ليس دقيقاً أن نقرأ زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين بين 18 و24 آب 2026 باعتبارها جولة خارجية أخرى، أو أن نقيس أهميتها بعدد الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي انتهت إليها.
السؤال الأهم ليس: ماذا وُقّع في الصين؟
بل: لماذا الصين الآن، وماذا يريد الأردن منها بعد أحد عشر عاماً على إطلاق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين؟
الإجابة تبدأ من خريطة الزيارة نفسها.
فالملك لم يبدأ من بكين، ولا من قاعات السياسة والاجتماعات الرسمية، بل من مراكز الاقتصاد والتكنولوجيا. في شنغهاي التقى قيادات شركات كبرى، وزار شركة AgiBot المتخصصة في الروبوتات، وتحدث عن التعاون مع الجامعات والمؤسسات الأردنية ونقل الخبرات. ثم انتقل إلى شنجن، إحدى أهم عواصم الصناعة والابتكار والتكنولوجيا في العالم، قبل أن يصل إلى بكين حيث أخذت الزيارة بعدها السياسي والاستراتيجي الكامل.
وهذا الترتيب ليس تفصيلاً بروتوكولياً.
إنه يعكس ما يريده الأردن من العلاقة الجديدة مع الصين: ألا تبقى العلاقة محصورة في السياسة والتجارة، وألا يبقى الأردن سوقاً للمنتجات الصينية، بل أن يصبح شريكاً في الاستثمار والتصنيع والتكنولوجيا وسلاسل التوريد.
عندما تأسست الشراكة الاستراتيجية الأردنية الصينية عام 2015، كان المطلوب بناء الإطار السياسي للعلاقة. أما في 2026، فالسؤال أصبح مختلفاً: كيف نملأ هذا الإطار بمضمون اقتصادي جديد؟
العالم نفسه تغير خلال هذه السنوات.
التنافس بين الدول لم يعد يدور فقط حول من يبيع أكثر ومن يشتري أكثر، بل حول من يمتلك التكنولوجيا، ومن يدخل سلاسل الإمداد، ومن يجذب المصانع، ومن يتحول إلى عقدة في الاقتصاد العالمي الجديد.
ولهذا لم يكن غريباً أن يتحدث البيان المشترك في بكين عن الاقتصاد الأخضر والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة، إلى جانب التجارة والاستثمار والطاقة والمعادن.
لكن المشكلة تظهر فور الانتقال من الخطاب إلى الأرقام.
حجم التجارة بين الأردن والصين بلغ نحو 6.7 مليار دولار عام 2025، منها قرابة 6.29 مليار دولار صادرات صينية إلى الأردن، في مقابل نحو 430 مليون دولار فقط صادرات أردنية إلى الصين.
أي أننا أمام عجز تجاري يقترب من 5.86 مليار دولار.
وفي المقابل، بلغ الاستثمار الصيني التراكمي في الأردن نحو 3.56 مليار دولار بين عامي 2010 و2025، لكن نحو 89 في المئة منه تركز في قطاع الطاقة.
هذه الأرقام لا تقول إن العلاقة مع الصين مشكلة.
بل تقول إن شكل العلاقة يحتاج إلى إعادة بناء.
فليس المطلوب أن نقلل استيرادنا من الصين لمجرد تقليل الأرقام، بل أن نرفع القيمة التي يحصل عليها الأردن من هذه العلاقة. أن تنتقل الشركات الصينية من البيع في السوق الأردنية إلى الإنتاج داخل الأردن. أن توظف الأردنيين، وأن تنقل المعرفة، وأن تدخل في شراكات صناعية وتكنولوجية، وأن تستخدم المملكة منصة للتصدير إلى أسواق أخرى.
هنا تكمن الفرصة الحقيقية.
وجلالة الملك وضع أساس هذه الفكرة بوضوح في مقابلته مع وكالة شينخوا قبيل الزيارة، عندما تحدث عن موقع الأردن الاستراتيجي، واستقراره، وموارده البشرية، وشبكة اتفاقياته التجارية، وقدرته على أن يكون مركزاً إقليمياً للتصنيع والتصدير.
وهذه ربما الرسالة الاقتصادية الأهم التي يجب أن نحسن تسويقها.
الأردن لا يستطيع منافسة الصين بحجم السوق، ولا يحتاج إلى ذلك.
قيمته ليست في عدد المستهلكين داخله فقط، بل في الأسواق التي يستطيع الوصول إليها من خلال موقعه وعلاقاته واتفاقياته.
بمعنى آخر: على المستثمر الصيني ألا ينظر إلى الأردن كسوق من بضعة ملايين من المستهلكين، بل كمنصة إنتاج وتصدير واتصال.
عندها فقط تتحول الجغرافيا من موقع على الخريطة إلى ميزة اقتصادية.
وحتى ملف الطيران يجب أن يُقرأ من هذه الزاوية.
فالتعاون بين الملكية الأردنية وAir China، وما تضمنه من مشاركة بالرمز والشحن والخدمات التشغيلية، إلى جانب الحديث عن إطلاق خط مباشر بين عمّان وبكين، ليس مجرد ملف سياحي.
الطائرة المباشرة تعني حركة مستثمرين ورجال أعمال وسياح وطلبة وبضائع.
وفي الاقتصاد الحديث، الاتصال جزء من القدرة التنافسية. فلا يمكن لدولة أن تقدم نفسها كمركز إقليمي إذا لم تكن مرتبطة بالعالم بشبكة فعالة من النقل والخدمات واللوجستيات.
وينطبق الأمر ذاته على بقية الاتفاقيات التي شملت التجارة الإلكترونية والاقتصاد الرقمي والبنية التحتية الرقمية وسلاسل الصناعة والتوريد والطاقة والمعادن والزراعة والعلوم والتكنولوجيا والسياحة، إضافة إلى منحة صينية بنحو 14.7 مليون دولار و800 فرصة تدريب.
لكن الجانب الاقتصادي لم يكن وحده مهماً في الزيارة.
فالبيان المشترك أكد مجدداً المواقف المتعلقة بالقضية الفلسطينية، ودعم حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على خطوط الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ورفض إجراءات الضم والاستيطان، ودعم عضوية فلسطين الكاملة في الأمم المتحدة ودور الأونروا.
والأهم أردنياً أن الصين أكدت دعمها للدور التاريخي للوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم فيها.
وهذه نقطة سياسية لا تقل أهمية عن الاقتصاد.
فالانفتاح على الصين لم يأتِ على حساب ثوابت الأردن، ولا يعني أن عمان تريد استبدال الشرق بالغرب أو الدخول في لعبة المحاور.
الدول التي تعرف مصالحها لا تُغلق باباً كي تفتح آخر.
تنويع الشراكات ليس تبديل تحالفات، وبناء علاقات اقتصادية مع الصين لا يعني التخلي عن العلاقات التقليدية مع الشركاء الآخرين.
بل قد يكون العكس تماماً: كلما اتسعت خيارات الدولة، زادت قدرتها على حماية مصالحها وتحسين شروطها الاقتصادية والسياسية.
غير ان الجزء الأصعب من الزيارة بدأ بعد انتهائها.
فالملك يستطيع فتح الأبواب، لكنه لا يستطيع أن يقوم بعمل المؤسسات بعد فتحها.
هنا تبدأ مسؤولية الحكومة والقطاع الخاص ومؤسسات الاستثمار.
بعد عودة الملك إلى عمّان في 25 آب، يجب ألا تُحفظ ملفات الصين في الأدراج بانتظار الزيارة المقبلة.
يجب تحويل كل اتفاق وكل لقاء إلى مشروع له مسؤول، وجدول زمني، وهدف واضح، ومؤشر أداء يمكن قياسه.
وبعد عام، يجب أن نطرح أسئلة لا تحتمل الإجابات العامة:
كم شركة صينية بدأت فعلياً الاستثمار في الأردن؟
كم مصنعاً دخل مرحلة التنفيذ؟
كم وظيفة أُنشئت؟
كم زادت صادراتنا إلى الصين؟
كم شركة أردنية استطاعت الدخول إلى السوق الصينية؟
هل انتقلت تكنولوجيا فعلية إلى الجامعات أو المصانع الأردنية؟
ومتى تنطلق الرحلة المباشرة بين عمّان وبكين؟
هذه هي الأسئلة التي ستحدد قيمة الزيارة الحقيقية.
فالمذكرات لا تصنع اقتصاداً، والصور لا تخلق فرص العمل، والعلاقات السياسية مهما بلغت قوتها تبقى ناقصة إذا لم تتحول إلى استثمار وإنتاج وتصدير.
الصين تبحث عن مواقع جديدة للأسواق والإنتاج وسلاسل التوريد، والأردن يبحث عن الاستثمار والتكنولوجيا وفرص العمل والأسواق.
وبين ما تريده الصين وما يحتاجه الأردن توجد مساحة واسعة للمصالح المشتركة.
لكن اقتناص هذه المساحة يحتاج إلى دولة تعرف ماذا تريد، ومؤسسات تتحرك بسرعة، وقطاع خاص يملك الجرأة على الدخول في شراكات أكبر من منطق الاستيراد والوكالات التجارية.
لهذا فإن أهم ما في زيارة الملك إلى الصين ليس ما انتهى في بكين.
بل ما يجب أن يبدأ الآن في عمّان.
فإذا كانت زيارة عام 2015 قد وضعت عنوان «الشراكة الاستراتيجية»، فإن اختبار زيارة 2026 هو أن يتحول هذا العنوان إلى مصانع واستثمارات وتكنولوجيا وصادرات وفرص عمل.
عندها فقط لا يعود السؤال:
ماذا أخذ الملك معه إلى الصين؟
بل يصبح السؤال الذي يجب أن تسأله المؤسسات الأردنية لنفسها:
ماذا سنبني نحن في الأردن بما أعاده الملك من الصين؟