لا بد من قراءة القانون الإسرائيلي الجديد، الذي يفرض عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين ضمن سياقه الأوسع، والمتمثل في المطامع الإسرائيلية الواضحة لضم الضفة الغربية، وجعل الحياة أكثر صعوبة للفلسطينيين تمهيداً لتهجير أكبر عدد ممكن منهم، أو حصرهم في جزر سكانية منفصلة جغرافياً. وقد عبّر عدد من المسؤولين الإسرائيليين صراحة عن هذا الهدف، لاسيما ما يتعلق بضم المنطقتين (ب) و(ج) من الضفة الغربية، اللتين تشكلان 82% من مساحتها. وتشير المعطيات إلى أن إسرائيل استملكت حتى اليوم نحو 65% من المنطقة (ج)، أي ما يعادل 39% من مجمل مساحة الضفة الغربية، مع استمرار العمل على مزيد من الاستملاكات.
هذا هو الإطار العام للسياسات الإسرائيلية الراهنة. ويبدو أن إسرائيل ترى أن الظروف الحالية مواتية لضم الضفة الغربية، وتمرير قوانين ذات طابع عنصري، في ظل غياب رادع أمريكي أو دولي، بل حتى عربي.
ماذا يتضمن قانون إعدام الأسرى؟
يستهدف القانون فرض عقوبة الإعدام على الفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية، الذين يُدانون بقتل إسرائيليين، مع استثناء المواطنين الإسرائيليين المقيمين في المستوطنات. وفي المقابل، وعلى الرغم من مقتل أكثر من ألف فلسطيني في الضفة الغربية منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 على يد الجيش الإسرائيلي والمستوطنين، لم يُحاكم أي مستوطن بتهمة قتل فلسطينيين. كما ينص القانون على حصر العقوبات بالفلسطينيين بين الإعدام، وفي حالات استثنائية السجن المؤبد، مؤكداً عدم جواز فرض أي عقوبة أخرى. ويمنح القانون المحكمة صلاحية فرض عقوبة الإعدام حتى من دون طلب من الادعاء العام، على أن يتم تنفيذ الحكم خلال 90 يوماً من تثبيته نهائياً. وعند النظر إلى التعريف القانوني لنظام الفصل العنصري، الذي يقوم على وجود أنظمة قضائية مختلفة، تُطبّق على سكان المنطقة ذاتها على أساس العرق أو الدين، يتبيّن أن هذا القانون يندرج ضمن هذا الإطار، ليس فقط من الناحية الأخلاقية، بل أيضاً من منظور قانوني بحت. لا شك أن هذا القانون يتعارض مع القواعد الأساسية للقانون الدولي. فقد وصفته منظمة العفو الدولية، على لسان مسؤولة الأبحاث إريكا جيفارا روساس، بأنه يعمّق نظام الفصل العنصري. كما اعتبر المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، فولكر تورك، أن تطبيقه يرقى إلى جريمة حرب. ولم يقتصر الانتقاد على المستوى الدولي، بل شمل أيضاً سياسيين ومحامين إسرائيليين.
ما العمل؟
للخروج من دائرة الشجب والإدانة، لا بد من تفعيل أدوات قانونية وسياسية دولية بشكل عملي ومنهجي:
أولاً: اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، باعتبار أن إسرائيل تنتهك القانون الدولي من خلال تطبيق تمييزي على سكان واقعين تحت الاحتلال. ويحق لأي دولة عضو في الأمم المتحدة رفع دعوى بهذا الشأن، كما فعلت جنوب افريقيا في سياق آخر. وعلى الرغم من أن المحكمة لا تملك أدوات تنفيذ مباشرة في حال رفضت إسرائيل المثول امام المحكمة، إلا أن قراراتها تساهم في كشف الممارسات الإسرائيلية أمام المجتمع الدولي. كما يمكن للجمعية العامة طلب رأي استشاري حول هذا القانون.
ثالثاً: تكثيف التواصل مع الرأي العام الدولي، وطرح القضية بلغة يفهمها الغرب، خاصة في ظل تراجع الدعم لإسرائيل في عدد من الدول الغربية، مثل إسبانيا وبريطانيا وأيرلندا وسلوفينيا وألمانيا وإيطاليا والنرويج وغيرها.
وفي السياق الأمريكي، تظهر مؤشرات لافتة في تحوّل الرأي العام. فقد أظهر استطلاع لمركز "بيو” العام الماضي أن نسبة الأمريكيين الذين يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل تجاوزت 50% لأول مرة، لتصل إلى 53%، وارتفعت هذا العام إلى 60%. كما برز تطور غير مسبوق تمثل في تصويت 40 من أصل 47 سيناتوراً ديمقراطياً لصالح وقف إرسال أسلحة إلى إسرائيل.
نحن أمام بداية تشكّل عزلة دولية حقيقية تجاه إسرائيل، إلا أن التعويل عليها وحدها لا يكفي من دون مبادرة عربية فاعلة لتعميق هذه العزلة. وفي نهاية المطاف، لا يمكن لصاحب الحق أن يتوقع من المجتمع الدولي أن يتحرك نيابة عنه ما لم يبادر هو أولاً.