اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

حين يصمت العالم الرقمي .. اضطراب الإنترنت العالمي وانعكاساته على القطاع المالي والمصرفي

حين يصمت العالم الرقمي .. اضطراب الإنترنت العالمي وانعكاساته على القطاع المالي والمصرفي
أخبار البلد -  

 الدكتور فؤاد محيسن ( خبير اقتصادي ومصرفي ومستشار قانوني )

•التحدي الحقيقي أمام القطاع المالي ليس أن يمنع كل انقطاع، فهذا أمر غير واقعي، وإنما أن يضمن القدرة على الصمود والاستمرار والتعافي عندما يحدث الانقطاع.
•إن النظام المالي الأكثر أمانًا في العصر الرقمي ليس هو النظام الذي يعتمد على التكنولوجيا بأكبر قدر ممكن، وإنما النظام الذي يستطيع استخدام التكنولوجيا بكفاءة، والاستمرار في العمل عندما تفشل التكنولوجيا.
•كلما أصبح المال أكثر اعتماداً على الرقمنة، أصبح ضمان استمرار النظام المالي عند غياب العالم الرقمي جزءًا من الأمن الاقتصادي الوطني.
•حين يصمت العالم الرقمي: ماذا يحدث لأموالنا إذا توقف الإنترنت؟
•من المصرف الإلكتروني إلى " المصرف في الظلام "… هل يستطيع النظام المالي الاستمرار عندما تتعطل الشبكة التي يعتمد عليها؟
•ماذا يحدث للبطاقات وأجهزة الصراف والتحويلات؟
•هل تتوقف أموال الناس فعلًا، أم يتوقف الوصول إليها؟
•كيف يمكن أن تتحول المشكلة التقنية إلى أزمة سيولة؟
•لماذا تصبح الثقة أخطر من العطل التقني نفسه؟
•ماذا علمتنا انقطاعات أنظمة الدفع الحديثة؟
•ماذا يعني مفهوم " المصرف في الظلام "؟
•ماذا عن الأردن وبنيته للدفع الإلكتروني؟
•هل ما زال النقد ضروريًا في عصر المدفوعات الرقمية؟
•هل نحن مستعدون لـ " اليوم الأسود " ؟

مقدمة
لم يعد التحول الرقمي في القطاع المالي والمصرفي مجرد وسيلة لتحسين كفاءة الخدمات أو تسريع المعاملات، بل أصبح جزءًا أساسيًا من البنية التحتية التي يقوم عليها النظام المالي المعاصر. فقد انتقلت المصارف من نموذج يعتمد بصورة رئيسية على الفروع والسجلات الورقية والاتصال المباشر بالعملاء، إلى منظومة مترابطة تعتمد على مراكز البيانات، والحوسبة السحابية، والشبكات الرقمية، وأنظمة الدفع الإلكتروني، والخدمات المصرفية عبر الإنترنت والهاتف المحمول، إضافة إلى شبكات الاتصال المالي المحلية والدولية.
وقد حقق هذا التحول مكاسب كبيرة من حيث السرعة والكفاءة وخفض التكلفة وتوسيع نطاق الوصول إلى الخدمات المالية. إلا أن الوجه الآخر لهذا التحول يتمثل في نشوء درجة متزايدة من الاعتماد على بنية رقمية مترابطة؛ الأمر الذي يجعل أي خلل واسع في هذه البنية قادرًا على الانتقال من المجال التقني إلى المجال الاقتصادي والمالي والأمني.
وتنبع خطورة توقف العالم الرقمي من أن النظام المالي لا يعمل في جزر منفصلة، وإنما يمثل شبكة مترابطة من المصارف والمؤسسات المالية والبنوك المركزية وأنظمة الدفع والتسوية والأسواق المالية ومقدمي الخدمات التقنية، ولهذا فإن الاعتماد المتزايد للمؤسسات المالية على مقدمي الخدمات التقنية من الأطراف الثالثة يمكن، في حال حدوث اضطراب في الخدمات الحيوية، أن يخلق مخاطر تمتد إلى الاستقرار المالي نفسه.
ومن ثم، فإن السؤال لم يعد: ماذا يحدث إذا تعطلت الخدمات المصرفية الرقمية لبضع ساعات؟ وإنما أصبح السؤال الأوسع: ماذا يحدث للاقتصاد إذا تعطلت البنية الرقمية التي تسمح للأموال بالتحرك، وللمصارف بالتواصل، وللأسواق بالتسوية، وللأفراد والشركات بالوصول إلى أموالهم؟

أولًا: القطاع المالي في عصر الاعتماد الرقمي
أصبح القطاع المصرفي الحديث قائمًا على سلسلة طويلة من الأنظمة الرقمية المترابطة. فعملية تحويل مبلغ مالي من حساب إلى آخر قد تبدو للمستخدم بسيطة وفورية، لكنها في الواقع تعتمد على عدد من الأنظمة وقواعد البيانات وشبكات الاتصالات وأنظمة التحقق والتسوية.
وتتداخل في هذه المنظومة أنظمة المصرف نفسه مع أنظمة الدفع الوطنية، وشبكات البطاقات، ومقدمي خدمات الاتصالات، ومراكز البيانات، ومزودي الخدمات السحابية، ومقدمي البرمجيات، ومؤسسات المقاصة والتسوية، وشبكات المراسلة المالية الدولية.
وهذا الترابط يمنح النظام المالي قدرًا مرتفعًا من الكفاءة، لكنه في الوقت ذاته يجعل بعض نقاط الضعف المشتركة قادرة على إنتاج أثر يتجاوز المؤسسة التي وقع فيها الخلل.
وبهذا الخصوص تجدر الاشارة الى أن الاعتماد على مزودي خدمات تقنية مشتركين أصبح واسعًا في القطاع المالي؛ إذ إن أكثر من نصف مزودي خدمات تكنولوجيا المعلومات للبنوك ذات الأهمية النظامية عالميًا يقدمون خدماتهم لبنكين أو أكثر من البنوك ذات الأهمية النظامية. وهذا يعني أن الخلل في مزود واحد يمكن، نظريًا، أن يؤثر في مؤسسات مالية متعددة في الوقت نفسه.
ومن هنا تظهر مفارقة جوهرية: كلما زادت الرقمنة بهدف زيادة الكفاءة، زادت الحاجة إلى إدارة مخاطر الاعتماد الرقمي بصورة أكثر صرامة.

ثانيًا: ماذا يعني توقف العالم الرقمي بالنسبة إلى المصارف؟
يمكن تصور الانقطاع الرقمي في عدة مستويات، تبدأ من عطل محدود في مؤسسة مصرفية وتنتهي بانقطاع واسع في شبكات الاتصالات أو البنية التحتية الرقمية التي تعتمد عليها مجموعة كبيرة من المؤسسات.
في المستوى الأول، قد يتعطل تطبيق مصرفي أو نظام داخلي، بينما تستمر بقية الخدمات. وفي المستوى الثاني، يمكن أن تتأثر أنظمة الدفع أو الصرافات الآلية أو نقاط البيع. أما في حالة الانقطاع واسع النطاق، فقد تصبح المصارف عاجزة عن تنفيذ مجموعة من الوظائف الأساسية، مثل التحقق من الأرصدة، وتحويل الأموال، وتنفيذ المدفوعات، وإتمام المقاصة والتسوية، وهنا يتحول الانقطاع من مشكلة تشغيلية إلى مشكلة مالية. فالعميل الذي لا يستطيع الوصول إلى حسابه قد لا يكون قادرًا على دفع التزاماته. والشركة التي لا تستطيع تحويل أجور العاملين أو دفع ثمن المواد الخام قد تتوقف عملياتها. والمصرف الذي لا يستطيع تنفيذ التحويلات أو تحصيل المدفوعات قد يواجه ضغطًا على السيولة. وتصبح المشكلة أكثر تعقيدًا عندما لا يكون واضحًا ما إذا كانت المعاملات قد نفذت بالفعل أم أنها توقفت قبل تسجيلها؛ لأن عدم اليقين نفسه يمكن أن يصبح مصدرًا للخطر.

ثالثًا: الآثار الاقتصادية لانقطاع العالم الرقمي
1.تعطل حركة الأموال:
أول الآثار المباشرة يتمثل في تعطيل حركة الأموال بين الأفراد والشركات والمؤسسات المالية. وقد يشمل ذلك التحويلات المحلية، والمدفوعات التجارية، ومدفوعات الرواتب، وتسديد الفواتير، والمدفوعات الحكومية، والمعاملات الدولية.
وفي اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على المدفوعات الإلكترونية، لا يكون المال غائبًا بالضرورة، وإنما قد يصبح غير قابل للوصول أو النقل مؤقتًا. وهذه نقطة جوهرية؛ لأن الاقتصاد لا يحتاج فقط إلى وجود الأموال، وإنما يحتاج إلى قدرتها على الانتقال من طرف إلى آخر في الوقت المناسب.
2.اضطراب السيولة المصرفية:
قد يؤدي تعطل أنظمة الدفع إلى تأخير التدفقات النقدية بين المصارف. والمشكلة هنا لا تتعلق بالملاءة المالية للمصرف بقدر ما تتعلق بقدرته على الوصول إلى السيولة وتنفيذ الالتزامات في الوقت المحدد.
وفي النظام المالي المترابط، قد يؤدي تأخر مؤسسة واحدة في سداد التزاماتها إلى تأخر مؤسسة أخرى، وهكذا يمكن أن تتشكل سلسلة من التأخيرات. وهذا يوضح لماذا تعد استمرارية أنظمة الدفع والتسوية من عناصر الاستقرار المالي، وليس مجرد مسألة تقنية.
3.توقف التجارة والأعمال:
القطاع المصرفي لا يعمل بمعزل عن الاقتصاد الحقيقي. فإذا توقفت المدفوعات، تتأثر الشركات التي تعتمد على التحويلات الإلكترونية، والمتاجر التي تعتمد على أجهزة الدفع، وشركات النقل والخدمات، وسلاسل الإمداد، والرواتب، والضرائب، والتجارة الإلكترونية. وبذلك يمكن أن ينتقل أثر الانقطاع من المصرف إلى الشركة، ومن الشركة إلى العامل، ومن العامل إلى الأسرة، ثم إلى النشاط الاقتصادي بصورة عامة.
4.اضطراب الأسواق المالية:
تعتمد الأسواق المالية الحديثة على أنظمة رقمية في تنفيذ الأوامر، وتبادل المعلومات، والتسوية، وإدارة المحافظ والمراكز المالية. وفي حالة انقطاع واسع، قد تضطر الأسواق إلى تعليق بعض العمليات أو تأخير التسويات. كما يمكن أن يؤدي غياب المعلومات أو عدم القدرة على تنفيذ الأوامر إلى زيادة التقلبات وارتفاع حالة عدم اليقين. وهنا تظهر أهمية الفصل بين الخسارة الاقتصادية المباشرة والخسارة الناتجة عن فقدان الثقة؛ فالأخيرة قد تكون أكبر من الأولى.

رابعًا: الثقة المصرفية بوصفها الحلقة الأكثر هشاشة
لا يقوم النظام المصرفي على الأموال والأنظمة فقط، وإنما يقوم بدرجة كبيرة على الثقة. فالعميل يودع أمواله في المصرف لأنه يفترض أنه يستطيع الوصول إليها عندما يحتاج إليها. فإذا أصبح الوصول إلى الحسابات متعذرًا، حتى بصورة مؤقتة، فقد يبدأ التساؤل: هل المشكلة تقنية مؤقتة؟ أم أن هناك مشكلة مالية؟ وهل البيانات سليمة؟ وهل الأموال متاحة فعلًا؟
وقد يؤدي انتشار الشائعات خلال الانقطاع إلى تضخيم المشكلة. ففي البيئة الرقمية، تنتشر المعلومات بسرعة هائلة، وقد تتحول شائعة حول تعطل مصرف أو نظام دفع إلى موجة من طلبات السحب أو التحويل، بما يزيد الضغط على النظام المالي.
وتجدر الاشارة إلى أن الحوادث السيبرانية الشديدة يمكن أن تقوض الثقة في النظام المالي، وفي الحالات القصوى يمكن أن تؤدي إلى عمليات بيع واسعة في الأسواق أو حتى إلى سحب جماعي للودائع من المصارف. ومن هنا يمكن القول إن الخطر الأكبر في بعض حالات الانقطاع الرقمي لا يتمثل في توقف النظام، وإنما في رد فعل المستخدمين على توقفه.

خامسًا: البعد الأمني للانقطاع الرقمي
لا ينبغي النظر إلى انقطاع العالم الرقمي باعتباره حادثًا تقنيًا محضًا. ففي القطاع المالي، يمكن أن يكون الانقطاع نتيجة عطل تقني، أو خطأ بشري، أو خلل في البرمجيات، أو كارثة طبيعية، أو انقطاع في الطاقة أو الاتصالات، أو هجوم سيبراني، أو حتى عملية متعمدة تستهدف البنية المالية للدولة.
وهنا يتقاطع الأمن السيبراني مع الأمن الاقتصادي والأمن الوطني. فإذا كانت البنية المالية تعتمد على مجموعة محدودة من مقدمي الخدمات التقنية أو مزودي الحوسبة السحابية أو البرمجيات المشتركة، فإن نقطة الضعف الواحدة قد تتحول إلى نقطة تأثير واسعة.
يجب ملاحظة أن التركيز المرتفع في الخدمات التقنية المقدمة للمؤسسات المالية قد يؤدي إلى اعتماد مشترك يجعل تعطل مزود رئيسي مصدرًا لخطر واسع النطاق.
كما أن الترابط بين القطاع المالي وقطاعات الاتصالات والطاقة والبنية التحتية الحيوية يعني أن اضطراب هذه القطاعات يمكن أن ينتقل سريعًا إلى النظام المالي. وهذا يعني أن حماية النظام المالي لم تعد تقتصر على حماية المصارف من الاختراق، بل أصبحت تتطلب حماية المنظومة التي تجعل المصارف قادرة على العمل أصلًا.

سادسًا: الانقطاع الرقمي وسؤال السيادة المالية
تثير الرقمنة المتزايدة سؤالًا أكثر عمقًا يتعلق بالسيادة. فإذا كانت مؤسسة مالية تعتمد على خدمات سحابية أو برمجيات أو شبكات اتصالات أو خدمات تقنية تقدمها شركات خارج حدود الدولة، فإن جزءًا من قدرتها التشغيلية يصبح مرتبطًا بمكونات تقع خارج سيطرتها المباشرة. ولا يعني ذلك أن الاعتماد الخارجي يمثل خطرًا بذاته؛ فالتقنيات السحابية والخدمات المتخصصة يمكن أن تزيد المرونة والكفاءة. لكن المشكلة تظهر عندما يصبح النظام المالي معتمدًا على عدد محدود من المزودين بحيث لا يوجد بديل عملي سريع عند حدوث اضطراب. كما أن الاعتماد المتزايد على الخدمات السحابية ومقدمي الخدمات الخارجيين يثير مسائل تتعلق بالتركيز، والرقابة، والقدرة على الوصول إلى البيانات، واستمرارية العمليات.
وعليه، فإن مفهوم الأمن المالي في العصر الرقمي ينبغي أن يتوسع ليشمل الأمن التشغيلي والسيادي للبنية الرقمية المالية.

سابعًا: هل يمكن أن يحدث انقطاع شامل للنظام المالي؟
إن تصور الانقطاع الشامل ليس افتراضًا نظريًا بالكامل. فقد شهد العالم في السنوات الأخيرة حوادث تقنية واسعة أثرت في قطاعات متعددة في الوقت نفسه. كما شهد القطاع المالي نفسه حوادث تشغيلية مرتبطة بأنظمة تقنية أو بمقدمي خدمات خارجيين.
وبهذا الخصوص اشير إلى حادثة الانقطاع العالمي في 19 يوليو/تموز 2024 الناتجة عن تحديث برمجي خاطيء في شركة الامن السيبراني الامريكية CrowdStrike، والتي اثرت على الطيران والبنوك والمستشفيات ووسائل الاعلام واحدثت شللاً واسعاً في ملايين أجهزة الحاسوب وتعطيل خدمات ضخمة حول العالم ، وكذلك إلى حادثة اخرى في 18 يوليو/تموز من العام نفسه أثرت في خدمة المراسلة التابعة لـSWIFT وانعكست على عمليات الدفع بالجملة، وعلى وجه الخصوص تأثر نظام المدفوعات عالي القيمة CHAPS وتأخر التحويلات بين البنوك في بنك اجلترا، كما تأثر نظام التسوية اللحظية T2 التابع للبنك المركزي الاوروبي فضلًا عن حوادث أخرى مست أنظمة مالية ومقدمي خدمات تقنيين. ولا تعني هذه الحوادث أن انهيارًا ماليًا شاملًا قد حدث، لكنها تقدم درسًا مهمًا: الأنظمة الرقمية يمكن أن تتعطل على نطاق واسع، وأن أثر العطل قد ينتقل بين قطاعات ومؤسسات تعتمد على البنية التحتية نفسها. ومن ثم فإن السؤال الواقعي ليس ما إذا كان الانقطاع ممكنًا، وإنما: إلى أي مدى يستطيع النظام المالي الاستمرار عندما يفقد البنية الرقمية التي يعتمد عليها؟

ثامنًا: من الاستمرارية الرقمية إلى المرونة المالية
تتطلب مواجهة هذه المخاطر الانتقال من مفهوم " منع الانقطاع " إلى مفهوم أكثر واقعية هو المرونة التشغيلية والمالية. فلا يوجد نظام تقني يمكن ضمان عدم تعرضه للعطل بصورة مطلقة. ولذلك ينبغي أن تكون المؤسسات قادرة على الاستمرار، ولو بصورة جزئية، عند حدوث الانقطاع.
ويتطلب ذلك عدة مستويات من الحماية، من أهمها وجود أنظمة احتياطية مستقلة وقابلة للتشغيل، وتنويع مزودي الخدمات التقنية وعدم الاعتماد على نقطة فشل واحدة بالضافة الى توفير مراكز بيانات بديلة والاحتفاظ بنسخ آمنة ومستقلة من البيانات وايجاد قنوات بديلة للاتصال ووضع إجراءات للتشغيل اليدوي أو شبه اليدوي للوظائف الحرجة مع اهمية إجراء اختبارات دورية لسيناريوهات الانقطاع واسع النطاق، وكذلك تطوير خطط للتعامل مع أزمة الثقة والشائعات، مع اهمية تعزيز التعاون بين البنوك المركزية والمصارف ومشغلي أنظمة الدفع وقطاع الاتصالات والطاقة.
ومن هنا تبرز أهمية ضمان استمرارية الخدمات المشتركة الحيوية، ولا سيما خدمات تكنولوجيا المعلومات والخدمات الرقمية التي تعتمد عليها الوظائف المالية الأساسية، التي يجب أن تستمر مهما كان حجم الأزمة وضرورة توفير أدوات مخصصة لمساعدة المؤسسات والسلطات المالية على تحديد الخدمات الحيوية وإدارة مخاطر الأطراف الثالثة والاعتماديات النظامية، بما في ذلك التنسيق أثناء الحوادث والتمارين القطاعية.

تاسعًا: الحاجة إلى " خطة مالية في الظلام "
ربما يكون أهم درس يمكن استخلاصه من هذه المخاطر هو ضرورة أن يمتلك القطاع المالي قدرة تشغيلية في حالة فقدان الاتصال الرقمي. فالمصرف الذي لا يستطيع العمل إلا في وجود الإنترنت والأنظمة السحابية ومراكز البيانات والاتصالات الرقمية يكون شديد الكفاءة في الظروف الطبيعية، لكنه قد يكون شديد الهشاشة في الظروف الاستثنائية.
ولهذا ينبغي التفكير في إنشاء ما يمكن تسميته " خطة مالية في الظلام "؛ أي خطة تسمح باستمرار الحد الأدنى من الوظائف المالية الحيوية عند فقدان البنية الرقمية. ولا يعني ذلك العودة إلى الاقتصاد الورقي، وإنما إنشاء طبقة احتياطية من القدرات التشغيلية تستطيع العمل مؤقتًا عند الضرورة. وتشمل هذه الطبقة، على سبيل المثال: المحافظة على القدرة على التحقق من العمليات الأساسية، وضمان إمكانية الوصول إلى البيانات الحيوية، وتوفير قنوات اتصال بديلة، وتحديد المعاملات التي يمكن تنفيذها بصورة مؤقتة خارج الأنظمة الاعتيادية، وتحديد سقوف وضوابط تمنع استغلال حالة الانقطاع، ووضع آلية موحدة لإعادة المصالحة والتسوية بعد عودة الأنظمة.
ويكتسب هذا الاتجاه أهمية متزايدة في ظل الحاجة إلى تعزيز المرونة التشغيلية في مواجهة المخاطر التي تنتقل عبر الاعتماديات المشتركة والبنية التحتية الحيوية.

اختبار اليوم الأسود
ربما تحتاج المؤسسات المالية، بل والقطاعات الوطنية المرتبطة بها، إلى ما يمكن تسميته "اختبار اليوم الأسود".
الاختبار الحقيقي ليس في إعلان أن الأنظمة الاحتياطية موجودة. الاختبار هو معرفة: كم تحتاج المؤسسة للانتقال إليها؟ وكم عدد المعاملات التي تستطيع استيعابها؟ وهل تستطيع جميع المؤسسات الانتقال في الوقت نفسه؟ وهل يستطيع النظام المالي استعادة عملياته دون فقد أو تكرار للمعاملات؟

عاشرًا: نحو مفهوم جديد للأمن المالي
لقد كان الأمن المالي في صورته التقليدية يركز على سلامة المؤسسات، وكفاية رأس المال، والسيولة، ومخاطر الائتمان والسوق. أما في البيئة الرقمية، فقد أصبح من الضروري إضافة طبقة جديدة تتمثل في أمن واستمرارية البنية الرقمية التي يقوم عليها النظام المالي.
فالمصرف قد يكون سليمًا من الناحية المالية، لكنه قد يعجز عن أداء وظائفه إذا فقد الوصول إلى أنظمته أو بياناته أو شبكات الاتصال. ومن هنا فإن الاستقرار المالي في القرن الحادي والعشرين أصبح يتطلب الجمع بين: الاستقرار المالي + الأمن السيبراني + المرونة التشغيلية + أمن الاتصالات + استمرارية البنية التحتية الحيوية.
وهذا التحول يفرض على البنوك المركزية والجهات الرقابية ألا تكتفي باختبار قدرة المصارف على مواجهة الأزمات المالية التقليدية، بل أن تختبر أيضًا قدرتها على مواجهة سيناريوهات الانقطاع الرقمي واسع النطاق.
المرونة الحقيقية تُقاس بالقدرة على الانتقال.
الأردن أمام اختبار المرونة الرقمية هذه القضية ليست بعيدة عن الأردن.
فالنظام المالي الأردني شهد خلال السنوات الأخيرة توسعًا كبيرًا في استخدام المدفوعات الرقمية. وتُظهر بيانات شركة نظم الدفع والتقاص الأردنية (JoPACC) أن إجمالي المعاملات التي تمت عبر أنظمتها خلال عام 2025 بلغ نحو 363.84 مليون معاملة بقيمة إجمالية بلغت نحو 93.26 مليار دينار أردني، بزيادة كبيرة في عدد المعاملات مقارنة بالعام السابق. كما بلغ عدد مستخدمي خدمة CliQ نحو 2.13 مليون مستخدم، فيما بلغ عدد مستخدمي المحافظ الإلكترونية نحو 2.81 مليون مستخدم. هذه الأرقام تعكس نجاح التحول الرقمي في القطاع المالي الأردني. لكنها في الوقت نفسه تعكس شيئًا آخر:
فكلما زاد اعتماد المجتمع على المدفوعات الرقمية، أصبحت مرونة البنية التي تحمل هذه المدفوعات أكثر أهمية.
وتشمل منظومة المدفوعات الأردنية مجموعة من الأنظمة، من بينها أنظمة المقاصة والتحويلات والمدفوعات الإلكترونية، بما في ذلك CliQ وJoMoPay وeFAWATEERcom وغيرها.
ومن التطورات اللافتة أن البنك المركزي الأردني أعلن في أبريل 2026 إطلاق نظام RTGS-JO الجديد عبر شبكة افتراضية خاصة مغلقة، بهدف تعزيز أمن وسرعة التحويلات بين البنوك. وهذا النوع من البنية المغلقة يوضح اتجاهًا مهمًا: الاستقلال النسبي للبنية المالية الحيوية عن البيئة الرقمية العامة يمكن أن يكون عنصرًا مهمًا في المرونة.
لكن السؤال الاستراتيجي لا يتوقف عند RTGS-JO أو أي نظام منفرد. السؤال هو: ماذا يحدث إذا تعطلت في الوقت نفسه عدة طبقات يعتمد بعضها على بعض؟ ماذا يحدث بعد 24 ساعة؟ وماذا لو امتد الأمر إلى 72 ساعة؟

الأردن: من الرقمنة إلى المرونة
ان نجاح الأردن في بناء منظومة واسعة للمدفوعات الرقمية يجعل الخطوة التالية أكثر أهمية:
الانتقال من مفهوم التحول الرقمي إلى مفهوم المرونة الرقمية والمالية. فالتحول الرقمي يسأل: كيف نجعل الخدمات أسرع وأسهل وأكثر كفاءة؟ أما المرونة فتسأل: كيف تستمر هذه الخدمات إذا تعطلت التكنولوجيا التي تعتمد عليها؟
وهذا فرق جوهري.
ولذلك ينبغي أن تتعامل خطط الاستقرار المالي مع سيناريوهات الانقطاع الرقمي بوصفها جزءًا من إدارة المخاطر النظامية. ومن بين الأسئلة التي تستحق الاختبار:
ما هي الوظائف المالية التي لا يجوز أن تتوقف؟ كم ساعة يمكن للنظام تحملها؟ ما البديل إذا تعطلت شبكة الاتصال الرئيسية؟ ماذا يحدث إذا تعطل مزود تقني مشترك بين عدة بنوك؟ كيف يتم توفير النقد إذا تعطلت أجهزة الصراف؟ كيف تتم تسوية المعاملات المتراكمة بعد عودة الأنظمة؟ ومن يعلن للجمهور ما حدث؟

توصيات تشريعية وتنظيمية لضمان استمرارية عمل القطاع المالي والمصرفي الأردني:
وهنا يجب اعطاء المقترحات التشريعية والتنظيمية التالية الاهمية العالية لضمان القدرة على الصمود والاستمرار والتعافي في القطاع المالي والمصرفي الاردني عندما يحدث الانقطاع:
1.إدخال مفهوم المرونة المالية الرقمية في الإطار التنظيمي بحيث تصبح المرونة هدفًا تنظيميًا مستقلًا إلى جانب كفاية رأس المال والسيولة والأمن السيبراني.
2.إلزام المؤسسات المالية بتحديد خدماتها الحيوية مع تحديد الحد الأقصى المقبول لتعطل كل خدمة.
3.وضع متطلبات خاصة للاعتماد على مزودي التكنولوجيا خصوصًا عندما يستخدم المزود نفسه عددًا كبيرًا من المصارف أو مؤسسات الدفع.
4.إلزام المؤسسات بوجود بدائل اتصال مستقلة بحيث لا تكون وسيلة الاتصال الاحتياطية مجرد امتداد للبنية ذاتها التي تعرضت للعطل.
5.إنشاء اختبارات قطاعية مشتركة تشمل البنك المركزي والمصارف ومؤسسات الدفع وشركات الاتصالات ومزودي البنية التحتية.
6.تعزيز آليات الاتصال وقت الأزمة من خلال قناة رسمية موحدة تمنع تضارب المعلومات والشائعات.
7.الحفاظ على احتياطي نقدي تشغيلي ليس باعتباره بديلًا عن الاقتصاد الرقمي، وإنما باعتباره طبقة احتياطية للمرونة.
8.تنظيم مرحلة العودة إلى النظام فعودة النظام بعد الانقطاع قد تكون أخطر من الانقطاع نفسه إذا لم تتم إدارة المعاملات المعلقة بصورة صحيحة.
خاتمة
يكشف احتمال توقف العالم الرقمي عن حقيقة أصبحت أكثر وضوحًا مع توسع الرقمنة: المال نفسه أصبح يعتمد على البنية الرقمية التي تسمح له بالحركة والتداول والتسوية والإثبات.
ولذلك فإن انقطاع العالم الرقمي لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مجرد توقف لمواقع إلكترونية أو تطبيقات مصرفية. ففي حالة اتساع نطاقه، يمكن أن يؤثر في المدفوعات والسيولة والأسواق والتجارة، وأن ينتقل أثره من المؤسسات المالية إلى الاقتصاد الحقيقي، وربما يتحول فقدان الوصول إلى الخدمات إلى أزمة ثقة ذات آثار أكبر من العطل التقني نفسه.
وتزداد المخاطر عندما تتقاطع الاعتماديات الرقمية المشتركة بين عدد كبير من المؤسسات، أو عندما يعتمد القطاع المالي على عدد محدود من مقدمي الخدمات التقنية. وقد أصبحت هذه الاعتماديات موضع اهتمام متزايد من الجهات الدولية المعنية بالاستقرار المالي.
وعليه، فإن التحدي الحقيقي أمام القطاع المالي ليس أن يمنع كل انقطاع، فهذا أمر غير واقعي، وإنما أن يضمن القدرة على الصمود والاستمرار والتعافي عندما يحدث الانقطاع.
إن النظام المالي الأكثر أمانًا في العصر الرقمي ليس هو النظام الذي يعتمد على التكنولوجيا بأكبر قدر ممكن، وإنما النظام الذي يستطيع استخدام التكنولوجيا بكفاءة، والاستمرار في العمل عندما تفشل التكنولوجيا.
وهنا تتبلور قاعدة أساسية للأمن المالي في العصر الرقمي:
كلما أصبح المال أكثر اعتماداً على الرقمنة، أصبح ضمان استمرار النظام المالي عند غياب العالم الرقمي جزءًا من الأمن الاقتصادي الوطني.

شريط الأخبار ترفيع ضباط إلى رتبة لواء وإحالتهم إلى التقاعد أمين عام للاتحاد العربي للنقل البري مالك حداد يطرح أولويات عمل مقترحة لترجمة المكتسبات الراهنة في العقبة إصابة مستوطن بعملية طعن قرب بؤرة استيطانية في نابلس سيدة تثير الجدل في عبدون.. هجوم غاضب على مركبة ومحاولة الاعتداء على السائق في الشارع العام (فيديو) نفوق عدد من القطط في ضاحية الرشيد والاشتباه بتسميمهم من قبل السكان .. القصة الكاملة 89.1 دينار سعر الذهب عيار 21 بالسوق المحلية عدم إبراء ذمة مجلس الإدارة السابق ومدقق حسابات جديد في شركة وادي الشتا الجيش يوضح: تعذّر إخلاء مصاب أردني بحادث سير مصر تمديد دوام مديريات العمل لقوننة وتوفيق أوضاع العمالة غير الأردنية اعتبارا من الأحد الأوقاف تطلق 6 خدمات إلكترونية لتنمية أموال الأوقاف و12 خدمة إضافية قبل نهاية العام 1662 كغم لحوم تتلف في ملحمة .. والمحكمة تقضي ببراءة المتهمين "منطقة محظورة" قرب هرمز.. إيران تتجه لفرض قواعد عبور جديدة ترمب يقترح تغيير اسم ولاية نيو مكسيكو إلى "نيو أميركا" الجار قبل الدار .. إصابة 7 أشخاص بمشاجرة جماعية في ماركة وحالتهم متوسطة طارق خوري يكتب: التلفزيون الأردني والخصخصة المطلوبة أجواء معتدلة في معظم المناطق وارتفاع طفيف في الحرارة الكلاب رافقت الجنازة.. مصرع أشهر منقذ حيوانات في الأرجنتين (فيديو) حين يصمت العالم الرقمي .. اضطراب الإنترنت العالمي وانعكاساته على القطاع المالي والمصرفي وفيات الاثنين 7-9-2026 سلاح الجو يخلي 11 أردنيا أصيبوا بحادث سير في مصر