تغرق الساحة البرلمانية والإعلامية في الأردن بين حين وآخر بوابل من "المذكرات النيابية" البراقة عريضات مطولة تطالب بالعفو العام أو بتخفيض الضرائب أو بتعديل قوانين اقتصادية حساسة تتصدر الصفحات الأولى وتملأ منصات التواصل الاجتماعي صخباً وتأثيراً عاطفياً.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بقسوة على المشهد السياسي الوطني: كم من هذه المذكرات تحول حقاً إلى تشريع فاعل يلامس هموم المواطن ، وكم منها لم يعدو كونه حبراً على ورق صمم خصيصاً للاستهلاك الانتخابي والخطابي السطحي؟
إن الفجوة الهائلة بين "شعبوية المذكرات" و"صلابة الدستور" باتت واضحة للعيان ولا يمكن السكوت عنها.
والأغرب في هذا المشهد أن هذه الممارسة الشعبوية تتغافل عمداً عن أداة تشريعية جبارة منحها إياها الدستور الأردني صراحة وتحديداً في المادة (95) التي تتيح لعشرة أعضاء أو أكثر من مجلسي الأعيان والنواب اقتراح القوانين وإلزام الحكومة بوضعها في صيغة مشروعات قانونية رسمية تُعرض تحت القبة وفق آلية دستورية آمرة.
في الأعراف البرلمانية السليمة، تعد المذكرة النيابية وسيلة ضغط سياسي لين لكنها في الواقع العملي المحلي تحولت إلى أداة هروب كبرى من المسؤولية التشريعية الحقيقية.
النائب الذي يوقع بحماس على مذكرة تطالب الحكومة بإصدار عفو عام أو خفض الأسعار يدرك تماماً في قرارة نفسه أن هذه الورقة لن تتجاوز في أفضل الأحوال أدراج الأمانة العامة للمجلس أو ستواجه الرفض الحكومي المعتاد تحت ذريعة "عدم الملائمة المالية أو السياسية".
لكن المشكلة الأعمق لا تكمن فقط في استجابة الحكومة أو امتناعها، بل في رغبة واضحة لدى البعض في عدم خوض معترك التشريع الحقيقي ومواجهة تفاصيله فالمذكرات الشعبوية تضمن للنائب "صورة إعلامية براقة" بطلها المدافع عن الشعب دون الحاجة لجهد بحثي مضن أو صياغة قانونية محكمة، أو مواجهة تحت قبة البرلمان تتطلب كشف الأوراق وتحمل المسؤولية الوطنية.
على النقيض تماماً تضعنا المادة (95 ) من الدستور أمام مشهد تشريعي ومؤسسي مختلف كلياً.
حين يستخدم عشرة نواب حقهم الدستوري الأصيل في "اقتراح قانون"، فإنهم لا يوقعون على عريضة احتجاج عابرة، بل يبدؤون مساراً دستورياً إلزامياً يبدأ بإحالة المقترح إلى اللجنة المختصة لدراسته بعمق وتمحيص ثم عرضه على المجلس لإقراره ليحال بعدها رسمياً إلى الحكومة التي تلتزم دستورياً بتقديمه في صيغة مشروع قانون خلال الدورة نفسها أو الدورة التي تليها.
هنا ينتقل النواب من موقع "المستجدي" للقرار والرحمة التنفيذية إلى موقع "الصانع والمشرع الحقيقي" للقرار. وهنا يبرز السؤال المشروع: فلماذا يعزف السادة النواب عن هذا الطريق المؤسسي السليم؟
ولماذا يفضلون رصيف المناشدات والمذكرات الشعبوية على متن التشريع الحاسم؟
إن استعادة ثقة الشارع الأردني بمؤسسة مجلس النواب العريقة لا تبنى أبداً على كثرة التوقيع على المذكرات الإنشائية التي لا تسمن ولا تغني من تشريع بل تبنى حصراً بتحويل الوعود والمطالب الشعبية إلى مبادرات قانونية صلبة مستندة إلى روح الدستور ونصه.
وحين يرى المواطن نوابه يعبئون الأوراق وينجزون التشريعات وفق المادة (95 ) لفرض قوانين عادلة تمس حياته ومعاشه ومستقبله سيقف حتماً احتراماً لهذا الإنجاز البرلماني الحقيقي.
وحينها فقط ستتحول قبة البرلمان من منبر للشعبوية العابرة إلى حصن حصين لصناعة القرار الوطني الراسخ.