وائل منسي .
بعد يوم من انتهاء مباراة الأردن والأرجنتين، وبعد أن هدأت حرارة الانفعال، أعود إلى هدف ميسي من الركلة الحرة؛ لا لأبحث عن مذنب، بل لأفهم لحظةً اختصر فيها الزمنُ الفارق بين منتخب يعرف كيف يحسم قراره، ومنتخب بقي أسير التردد.
وقف يزيد أبو ليلى يراقب الكرة وهي تتجه نحو الشباك، ولم تظهر منه محاولة واضحة للتصدي. كانت اللقطة مؤلمة، ليس لأن الكرة دخلت فقط، بل لأن الحارس بدا كأنه شاهدٌ على الحدث، لا طرفٌ فيه.
أكتب هذا التحليل بصفتي طيارًا متقاعدًا أمضى أكثر من أربعين عامًا في الطيران، لا بصفتي خبيرًا كرويًا. وقد تعلمت أن الحوادث لا تُراجع لإهانة الإنسان، بل لفهم القرار الذي تأخر، والإشارة التي ظهرت، ولم تتحول في الوقت المناسب إلى فعل.
في الطيران، لا يكفي أن يرى الطيار المؤشر؛ عليه أن يفهمه، وأن يقرر، وأن يتحرك قبل أن تصبح المعلومة جزءًا من الماضي. وبين العين والعضلة رحلة قصيرة تمر عبر الأعصاب والدماغ: رؤية، وتفسير، وتوقع، ثم أمر بالحركة. وقد تكفي أجزاء من الثانية للفصل بين الإنقاذ والعجز.
ربما رأى أبو ليلى الكرة، لكنه لم يقرأ مستقبلها مبكرًا. فالركلات الحرة لا تُصد بعد انطلاق الكرة فقط، بل قبلها: من التموضع، وتوزيع وزن الجسم، ورؤية الكرة خلف الحائط، وقراءة قدم المنفذ وزاوية اقترابه.
وميسي لا يسدد الكرة فحسب، بل يزرع في عقل الحارس احتمالًا، ثم يرسلها إلى احتمال آخر. وربما انتظر أبو ليلى لحظة إضافية ليتأكد من المسار، لكن أمام لاعب بهذه الدقة، تصبح لحظة التأكد هي نفسها لحظة فوات الفرصة.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نحمل الحارس وحده مسؤولية الهدف. فالحارس هو الحلقة الأخيرة في سلسلة تبدأ من التدريب، والإعداد النفسي، ودراسة الخصم، وتنتهي عند قرار المدرب باختيار من يقف في المرمى.
وهنا يصبح النقد الحقيقي موجّهًا إلى المدرب جمال السلامي.
لقد حصل المدرب على الوقت والثقة والفرص، لكن المنتخب لم يظهر في اللحظات الحاسمة بالشجاعة التكتيكية ولا بسرعة التغيير المطلوبة. الإصرار على الخيارات ذاتها رغم ظهور علامات التراجع ليس ثباتًا، بل قد يتحول إلى عناد فني يدفع الفريق ثمنه.
كان من الممكن منح حارس آخر فرصة، ليس عقابًا لأبي ليلى، بل لأن المنافسة تحمي الحارس الأساسي، وتمنع تحوّل المركز إلى ملكية مغلقة. المدرب الناجح لا ينتظر الانهيار حتى يختبر البديل؛ بل يعدّه قبل أن يحتاج إليه.
كما أن إدارة المباراة لم تُظهر قدرة كافية على قراءة التحولات. فعندما كان الفارق هدفًا واحدًا، كان الأردن بحاجة إلى قرار جريء يعيد التوازن ويمنح اللاعبين رسالة بأن المباراة لم تنتهِ. لكن الانتظار طال، وتحولت الدقائق إلى مساحة استفاد منها الخصم.
ومع كامل الاحترام لما قدمه جمال السلامي، أعتقد أن موعد التغيير قد حان. ليس لأن رجلًا واحدًا يتحمل كل الأخطاء، بل لأن المنتخب يحتاج إلى فكر جديد، وصوت جديد، ومدرب يملك شجاعة تغيير الأسماء والخطط في اللحظة المناسبة.
التغيير ليس إهانة للمدرب، بل اعتراف بأن لكل مرحلة زمنها، وأن النجاح في محطة لا يمنح صاحبه حق البقاء إلى الأبد. فالمدرب مثل قائد الرحلة؛ إذا تكررت الانحرافات ولم تعد التصحيحات كافية، يصبح تغيير القيادة ضرورةً لحماية المسار.
هدف ميسي أصبح من الماضي، لكن السؤال ما زال قائمًا: هل نكتفي بمشاهدة الكرة وهي تدخل، أم نتحرك قبل أن تضيع الفرص المقبلة؟
ففي الطيران لا نستطيع إعادة الرحلة، لكننا نغيّر ما يلزم حتى لا يتكرر الخطأ.