الشريط الإعلامي

ازدراء الأديان ليس حرية!

آخر تحديث: 2020-09-26، 09:42 am
زهير الحارثي
اخبار البلد- خيرت فليدرز نائب يميني في البرلمان الهولندي، و«شارلي إيبدو» مجلة فرنسية، والقاسم المشترك الذي يجمعهما التعصب الديني ولا شيء غير التعصب. ما يفعلانه لا يلبث أن يزيد الوضع اشتعالاً وهو صبّ الزيت على النار؛ فالقصة ما زالت تتكرَّر والمشهد يعاد بالسيناريو نفسه، وخطورة الأمر تعني الاحتدام ومزيداً من التصعيد ومآسي وتأجيجاً للعنف بين المسلمين والغرب وفتح الباب على مصراعيه للتطرف والإرهاب.
النائب الشوفيني الشعبوي فيلدرز يعشق الأضواء ويستهدف المسلمين والقرآن الكريم وسبق له أن توعّد بإغلاق الهجرة أمام المسلمين إلى هولندا لو وصل لمنصب رئيس الوزراء، وبالأمس أعلن أنه يعتزم تنظيم مسابقة رسوم تصور الرسول، عليه الصلاة والسلام، في هولندا. وفي فرنسا وتزامناً مع بدء محاكمة المتهمين في قضية الهجوم على المجلة الساخرة الفرنسية أعادت مجلة «شارلي إيبدو» نشر الرسوم الكاريكاتيرية التي كانت قد أثارت احتجاجات في عدة دول إسلامية. وكانت محكمة الاستئناف الهولندية قد أيدت إدانة الزعيم اليميني المتشدد فيلدرز، بتهمة توجيه إهانة جماعية لمغربيين عندما دعا إلى «تقليل عدد المغربيين» الموجودين في البلاد خلال تجمع في لاهاي. في حين أنه في فرنسا بدأت محاكمة 14 شخصاً في فرنسا في قضية الهجوم على المجلة الساخرة «شارلي إيبدو» عندما هاجموا المجلة وقتلوا 12 شخصاً في مكاتبها إثر نشرها الرسوم تلك قبل 5 سنوات.
رغم تزايد أصوات تنادي بالتعايش والتسامح في العالم واحترام خصوصية الأديان لا نلبث أن نفاجأ بأصوات نشاز متطرفة كهذه النماذج مكرسة حقدها على الإنسانية. أصحاب تلك العقليات يزعمون أن ما يمارسونه يندرج في سياق حرية الرأي، ورغم أن الجميع يتفق على أهمية حرية التعبير فإن الخلاف يرتكز حول أي مدى يمكن الوصول إليه.
 
هذا الحاقد الذي يرأس حزب «من أجل الحرية» في هولندا سبق له أن طالب بحظر القرآن الكريم، ويصر على أن نشره للصور الكاريكاتيرية يأتي تحت ذريعة الدفاع عن حرية التعبير. كما أن المجلة الفرنسية تعرضت لعمل إرهابي جبان وأدانته الشعوب الإسلامية آنذاك، والكل وقف معها في محنتها عندما تعرض موظفوها للقتل والترويع، لكنّ هذا لا يعني أن نوافقها على سلوكها الخاطئ بقيامها مرة أخرى بإعادة نشر الرسومات بدعوى وقوفها مع الضحايا، كونه عملاً استفزازياً وخطيراً يمس معتقدات الناس ومقدساتهم ورموزهم.
قد تكون مسألة جدلية ولكنها ليست كذلك لأي عاقل مدرك للتمييز بين حرية الرأي والتعبير والمساس بالأديان ورموزها، وهناك مزاج عام بضرورة تجريم هذه الأفعال والأقوال بإشراف منظمة الأمم المتحدة انطلاقاً من مسؤوليتها عن حفظ الأمن والسلام في العالم. ومع ذلك فتلك الخطوات التحريضية التي أقدم عليها هذا النائب الهولندي أو منسوبو المجلة الفرنسية وغيرهم تدفع باتجاه إثارة الكراهية والتفرقة ليبقى هذا العالم عُرضة لصراعات عرقية ودينية والتي عادةً ما تكون محل استياء وانتقاد في أغلب دول العالم. في المقابل نعترف بأن الجماعات الراديكالية كـ«القاعدة» و«داعش» في العالم الإسلامي وما قامتا به من أفعال إرهابية أسهمت في إعطاء فرصة للمتربصين بالإسلام لتشويه الصورة وتضليل الآخرين وتكريس الصدام الحضاري.
الآيديولوجيا تُثري التنوع الفكري لا شك، وهذا أمر طبيعي، إلا أن الخطورة تكمن عندما يتحول متبني تلك الآيديولوجيا إلى متطرف لها أياً كانت آيديولوجيته، ما يعني دخولنا في نفق مظلم، بدليل إصرار كل منهما على امتلاكه الحقيقة المطلقة، يتساوى في ذلك الداعشي المؤدلج والنائب الهولندي فيلدرز، ما يعني أنه رهين لآيديولوجيته، وبالتالي هو يعيش حالة اختطاف للعقل لينتج عنها حالة رفض للواقع. ليس بالضرورة أن تكون النتيجة دائماً استخدام العنف بقدر ما يعني أن قناعة هذا المؤدلج ترى الآخرين دائماً على خطأ، وأنه هو الصواب بعينه وفق قناعاته الذاتية، ومن هنا نجد أن النتيجة هي عدم القبول بالآخر رغم اختلاف مضامين ومحتويات كل خطاب، إلا أن الغاية واحدة والسلوك واحد.
ساحات إعلام أيضاً في الغرب أو حتى عند العرب ما زالت تكرس ذات الصورة النمطية المشوهة لدى الطرفين. أصبح العداء والكراهية وكَيْل الاتهامات لشرائح عديدة لدى الطرفين هو الأسلوب المتّبَع، ما يؤكد قدرة الإعلام على التأثير في الفكر الاجتماعي. هذه حرب نفسية يراها باحثون أكثر خطورة من الحرب التقليدية، كونها تستهدف النَّيل من القيم والعقائد.
ممارسات أصوات متشددة من الطرفين والاندفاع باتجاه الاستفزاز والتصعيد سيؤديان إلى اندلاع حرب عقائدية ذات نزعة متطرفة تهدف إلى تعزيز التطرف وتفاقم التعصب، ما يعيق أي محاولات لردم الهوة، وربما هذا ما يفسر الاهتمام غير المسبوق بالعلاقة ما بين الأديان ومسألة التوتر الديني في وقتنا المعاصر.
مواجهة التعصب الديني ليس برفض التطرف وإدانة استغلال الدين وإقحامه في الصراعات السياسية، وعدم التطاول على الرموز وتجاهل طروحات المتعصبين فقط، بل عبر تأسيس حوار حضاري مستدام يهدف إلى تفاهم عالمي بين أتباع الأديان على قاعدة احترام المعتقد والتعايش والتسامح.