النموذج الديمقراطي الأردني

أخبار البلد - رفعت اللجنة الملكية لجلالة الملك وثيقة مرجعية تمثل الرؤية الوطنية لتحديث المنظومة السياسية، وتستحق هذه الوثيقة مزيدا من الحديث والنقاش والقاء الضوء عليها؛ علها تكون منطلقا لحوار وطني حول الأطر الفكرية والعملية لإنجاز التحديث السياسي، ومن بعده التحديث الاقتصادي والإداري.


سوف أتولى في مقالات متتابعة الحديث عن هذه الوثيقة، التي تبنت "بناء النموذج الديمقراطي الأردني” باعتباره المنتج المأمول من التحديث السياسي كما طرحته الوثيقة، ونبدأ أولا بتعريف التحديث السياسي.


التحديث السياسي حسب الوثيقة هو "الانتقال إلى نظام سياسي متطور يبني الأردنيون والأردنيات من خلاله نموذجهم الديمقراطي، وبمواصفات أردنية، ويفيد من التراث الإنساني للديمقراطية .”، ومع أن الواقع يشهد على إنجاز خطوات دستورية وقانونية وعملية في مجال التنمية السياسية، – قد يناقش البعض في درجة وحجم هذا الإنجاز -، ولكن يبدو أن الفضاء السياسي صار محتاجا إلى تحديث ينقل المجتمع والدولة إلى مرحلة أكثر
تقدما وتطورا، بمعنى أوضح الانتقال إلى مستوى آخر من التنمية، يتجاوز البنية التحتية نحو نسق سياسي يحدث اثرا حاسما على الأرض، وينتقل بالواقع السياسي في الأردن من صيرورة الإصلاح إلى ممارسة فعلية للتحديث السياسي وتنفيذ "النموذج الديمقراطي الأردني”.


تبدأ الوثيقة من تقرير أن بناء النموذج الديمقراطي الأردني”لا يستقيم بمجرد تطوير تشريعات سياسية حديثة”، فالتشريعات على اهميتها ستكون عاجزة عن إحداث التغيير دون "بنية تحتية ترتبط بالمؤسسات ومجال عام ملائم للنضوج الديمقراطي، وسياقات اجتماعية وثقافية موازية تعمل جميعا على تيسير الانتقال السلس والآمن” للمجتمع والدولة نحو النموذج الديمقراطي المأمول.


وفي هذا السياق فان الشرط الأول لتحقيق النموذج الديمقراطي الأردني، هو إنجاز "تحديث وطني شامل ومتكامل”، وهنا حسمت الوثيقة جدلا عقيما ـ نوعا ما ـ حول أولوية التحديث السياسي ام الاقتصادي ام الإداري، وكرست أن "التحديث السياسي لا ينمو ولا يزدهر دون تحديث وطني شامل ومتكامل؛ يشتمل على التحديث والتطوير الاقتصادي والإداري والقضائي وصولا إلى تحديث المجتمع في انساقه الثقافية والاجتماعية المتعددة”، حيث يرتبط هذا التحديث بدائرتين أساسيتين؛ "تتمثل الأولى في البيئة الداخلية بما تتضمنه من تشريعات وبنى مؤسسات وما يتصل بها من حريات عامة ومنظومة حقوق الإنسان”، والدائرة الثانية مجالها التحديث الاقتصادي والإداري والقضائي.


لقد كرست اللجنة بوضوح ان نجاح التشريعات التي اوصت بها مرتبط "بتوفر الحريات العامة والانفتاح ومنظومة حقوق الإنسان”، والتي تعتبر معيارا مهما محليا ودوليا لضمان عدم تفريغ الحريات من محتواها، وعدم تحويلها إلى شكل دون مضمون عملي على الأرض، وذلك لضمان "بيئة حاضنة وآمنة لممارسة الأفراد والأحزاب دورها في التحديث السياسي”، واحداث النموذج الديمقراطي على الأرض كاملا غير منقوص. حيث يمتد بناء المجال العام الديمقراطي "ليشمل الانفتاح في حرية التعبير ضمن حدود المسؤولية، واحترام حقوق الآخرين وخصوصياتهم، وبما يحول دون نشر خطاب الكراهية والاقصاء، وصولا إلى حرية التجمع والعمل النقابي والمهني وحرية التنقل والحق في الأمن والحد من أعمال التوقيف الإداري” .


لم تغفل الوثيقة أهمية تحديث المنظومة الإدارية، باعتبارها شرطا أساسيا لعملية التحديث الشاملة والمتكاملة، وركنا من أركان "ورشة تحديث الدولة”، وهذا عنوان يحتاج إلى كثير من التمعن والنظر لاهميته في إحداث التحديث الشامل، والذي يتوقف في جانب أساسي منه على تحديث الإدارة العامة بما يجعلها "تتسم بالرشاقة، لتكون ذات هياكل أكثر قدرة على الاستجابة للمساءلة والشفافية”.


ان الديمقراطية تمثل في أحد وجوهها منهجية لادارة الخيارات الاقتصادية والاجتماعية، وهيكلها لا يبنى الا بالاقتصاد، اي بخيارات المجتمع في برامج الخدمات والبنى التحتية والتعليم والصحة وإدارة الأسواق والعمل، في ضوء استراتيجية حماية وتطوير الطبقة الوسطى؛ فالديمقراطية حسب الوثيقة، "ليست نظاما سياسيا مجردا بل آلية لتحقيق مصالح الناس التي هي في الغالب مصالح اقتصادية ترتبط بالعيش والعدل والكرامة”، بقي أن نقول في هذا المحور أن أحد أهم أسس نجاح التحديث السياسي الشامل من وجهة نظرنا، هو الوقوف على اسباب تعثر محاولات التنمية والتحديث السابقة، وهذا ليس خدمة للحكمة بأثر رجعي ولكن لضمان ضبط فكر التحديث عن ان ينزلق إلى أسباب الاخفاق ومعوقاته السابقة، ولنا في استكمال شروط النموذج الديمقراطي الأردني حديث في المقال القادم جنابك!!