الشريط الإعلامي

نتصالح معهم؟ لكنهم يريدون تدميرنا!

آخر تحديث: 2020-08-06، 09:25 am
جيرشون باسكن
أخبار البلد-
 

كتب لي أحد قرائي اليهود الإسرائيليين ردا غالبا ما اتلقاه من جموع القراء و نصه ما يلي: "كيف يمكنك حل مشكلة الصراع إذا لم تكن لديك القدره على فهمه؟ يا جيرشون، أنت تتحدث عن صنع السلام وأنا، المواطن المتواضع، أسأل مع من سنصنع هذا السلام؟ مع اولئك الذين يعلنون ليل ونهار أن هدفهم هو إبادة دولة إسرائيل ورمي اليهود في البحر وسبي بناتهم وممتلكاتهم؟ مع هؤلاء الذين يؤمنون بكل جوارحهم أن دولة فلسطين تشمل حيفا وعكا وتل أبيب والقدس وبئر السبع وإيلات؟؟؟ مع اولئك الذين يتخذون من الإرهاب نمط حياة ويرفضون بناء و تبني حياة طبيعية لانفسهم؟".

هذه الأسئلة الوجيهة تعبر عن نمط في عقلية أطراف الصراع في أي منطقة من مناطق العالم. ففي منطقتنا ستجد انها تعكس ما يجول بخاطر الأغلبية اليهودية كما عبر عنه صديقي القارئ و بنفس الوقت، إذا ذهبتم إلى رام الله أو بيت لحم أو جنين، ستجد الفلسطينيين يطرحون أسئلة مماثلة: "مع من سنصنع السلام؟ مع أولئك الذين سرقوا أرضنا؟ الذين حولونا إلى لاجئين؟ أولئك الذين يقتلوننا كل يوم ويقبضون على رجالنا وأطفالنا في منتصف الليل؟ أولئك الذين يسجنون مليونين من إخواننا وأخواتنا في غزة؟ أولئك الذين يحرقون أشجار زيتوننا و مساجدنا؟ الذين يبنون المستوطنات ويبقوننا في أقفاص؟ هل مع هؤلاء تريدنا أن نصنع السلام؟

لقد سمعت هذه الأسئله تطرح من كلا الجانبين كل يوم وعلى مدار 40 عاماً! كلاهما، الأغلبية الساحقة من اليهود الإسرائيليين والعرب الفلسطينيين، يعلنون اننا نريد السلام لكن "هم" لا يريدونه!

صديقي الأستاذ محمد الدجاني، مؤسس "وسطية"، وهي حركة إسلامية معتدلة كتب لي متسائلا: "كيف يمكنك حل الصراع إذا لم تكن لديك القدرة على فهمه وفهم طبيعته وكينونته؟ إن الإسرائيليين العاديين ليسوا وحدهم الذين يتساءلون مع من سنصنع السلام، لأن الفلسطينيين العاديين ايضا يشعرون بالمثل. و يطرح الدجاني فكرة انه "يمكننا التوصل إلى السلام من خلال تمكين المعتدلين وتقويض المتطرفين من الجانبين". و يضيف الدجاني "يستبعد القادة والسياسيون الحاليون -على جانبي الصراع- إمكانية تطبيع العلاقات و الدخول بمفاوضات لأنهم يعتقدون أن ابقاء الوضع الراهن كما هو سيعظم من مصالحهم. ومع ذلك، إذا ما نظرنا إلى ما هو أبعد من فلك هؤلاء القادة و تأملنا الأشخاص العاديين و المجتمع المدني، فاننا سنجد شركائنا بالسلام ها هنا، و عند معرفتنا لشركائنا الحقيقيين، وجب الاستعاضة عن مشاعر الخوف والكراهية للآخر بمشاعر الثقة والاحترام.

ومن شأن روح الاعتدال -إن سادت- أن تقوض المتطرفين من الإسرائيليين و الفلسطينيين الذين لا يعترفون بحقوق الآخر وهويته، و يتبنون خرائط لا تعترف بالآخر و يمارسون إرهابا ضده.

يؤمن الفلسطينيون أن الإسرائيليين يسلبونهم فرصة بناء حياة طبيعية لأنفسهم من خلال سياسات الاحتلال وممارساته القمعية. حيث أن هناك تفاوت كبير في القوة بين الجانبين وكون اسرائيل هي الجانب الأقوى، فهي من تمتلك قرار ابقاء الجمود او كسره للتوصل الى تسوية سلمية عادلة.

نعم، هناك متطرفون على جانبي الصراع. وهناك عدد من الناس العاديين، بودهم أن يستيقظوا في الصباح على عدم وجود الآخر على هذه الأرض. في أحلامهم، الآخر يختفي بكل بساطة. لكن معظم الإسرائيليين والفلسطينيين يعيشون في الواقع ويفهمون جيدا أن إخراج الآخر من هذه الأرض لن يحدث و اكثر من ذلك، هم يودون فعلا أن يعيشوا في سلام مع بعضهم البعض، ولكننا أوغلنا بسلوك طريق انعدام الثقة، حيث اصبح من الصعب العودة إلى الاعتقاد بأن السلام ممكن.

بعدما وقعت اسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية ست اتفاقيات خلال اوسلو، و بكل موضوعية، انتهك الجانبان جميع الاتفاقيات الموقعه. يجب التوضيح أن اتفاقية أوسلو هي اتفاقية اجرائية عملية، تهدف إلى رسم طريق يقود كلا الجانبين نحو توقيع اتفاقية السلام ولكن، حتى الآن لم توقع اسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية ابدا اتفاق سلام ولم نصل أبداً إلى نقطة في المفاوضات نلتزم بشكل صريح "بانهاء الصراع" ـ وقف الحرب و إراقة الدماء و لم نحل أبداً قضايا الصراع الأساسية: الحدود، القدس، اللاجئين، إلخ.

ويلقي كل طرف باللوم على الطرف الآخر في هذا الفشل. تقول إسرائيل إن الفلسطينيين غير مهتمين بالسلام لأنهم لا يريدون حقاً تحمل المسؤولية عن أنفسهم في ادارة دولتهم. و تتهمهم ايضا بالرغبة بالقاء اليهود فى البحر لان الفلسطينيين يؤمنون ان اليهود غزاة مستعمرين سرقوا ارضهم.

وبالمقابل يقول الفلسطينيون إن إسرائيل تعمل منذ عام 1948 بشكل ممنهج على تفريغ فلسطين من الفلسطينيين و العمل على إجبارهم على ترك أراضيهم، وبناء المستوطنات في هذه الأراضي وجعل الحياة مستحيلة بالنسبة لهم، وتشجعهم على الرحيل. يستشهد الفلسطينيون بما فعله الاسرائيليون بالمناطق التي يعتزمون ضمها الآن – فقد أخرجوا الفلسطينيين السكان الأصليين من أراضيهم ومن منازلهم وسرقوا مياههم، مما جعل من العيش مستحيلا في أرضهم.

هذا هو تصور كلا الجانبين فيما يتعلق بالآخر. والحقيقة المحزنة أنه من المنطقي والمعقول تماما أن ننظر إلى واقعنا بهذا المنظار. من الصعب جدا بناء الثقة بعد ان تم تدميرها تماما. فعند خرق الاتفاق تتساءل لماذا علي أن أتفاوض مرة أخرى؟

هناك الكثير من الضحايا في هذا الصراع لدرجة يبدو في بعض الأحيان أننا جميعا قد تبنينا عقلية الضحية حيث تبدأ العديد من الاجتماعات بين الإسرائيليين والفلسطينيين بكيل الاتهامات المتبادلة و المنافسة على حجم المعاناة. هناك الكثير من الخوف على جانبي خط الصراع. هناك الكثير من الكراهية و الكثير من الجهل بواقع الناس الحقيقيين على كلا الجانبين. أنا أعبر الحدود واتنقل على جانبي خط النزاع.

بعض قرائي اليهود يرغبون في إرسالي إلى غزة. صدقوني، إذا سمح لي، فأود السفر الى هناك غدا. لم أذهب إلى غزة منذ عام 2007 و لكنني أذهب الى جميع أنحاء الضفة الغربية باستمرار. حظيت بزيارة معظم المدن والبلدات والقرى ومخيمات اللاجئين هناك. أذهب في سيارتي الخاصة. أذهب في سلام وأنا استقبل هناك بسلام.

إن تحدثي باللغة العربية ميزة وفي كل مكان تقريباً أذهب إليه، أعرف الناس وأنا موضع ترحاب في منازلهم. أذهب أيضا في جميع أنحاء إسرائيل وألتقي الناس من جميع مناحي الحياة. أنا أعيش في سلام وأعرف أن السلام ممكن. و متى ستكون إرادة الشعب، سنجعلها إرادة السياسيين أيضاً. لدينا الكثير من العمل للقيام به.

*الكاتب هو رائد أعمال سياسي واجتماعي كرّس حياته للسلام بين إسرائيل وجيرانها. صدر كتابه الأخير "السعي من أجل السلام في إسرائيل وفلسطين" من قبل مطبعة جامعة فاندربيلت وهو متاح الآن في إسرائيل وفلسطين. وسوف تظهر قريبا طبعة باللغة العربية في عمان وبيروت.