الشريط الإعلامي

«كورونا» يخرج أسوأ ما في النخب البرازيلية

آخر تحديث: 2020-08-04، 09:22 am
ماك مارغوليس

بالنظر إلى أن البرازيل تأتي في المرتبة الثانية على مستوى العالم، من حيث عدد الإصابات والوفيات الناجمة عن فيروس «كورونا»، ربما يشعر البرازيليون بامتنان تجاه المسؤولين الحكوميين الذين تتمثل مهمتهم في إبقائهم بعيداً عن طريق الأذى، إلا أنه من الواضح أن ذلك لا ينطبق على إدواردو ألميدا دي سيكويرا، القاضي بمحكمة الاستئناف، الذي يميل إلى جذب أنظار الرأي العام، وله سجلّ في التنمُّر على الموظفين الحكوميين.

ورأى البعض سيكويرا في وقت سابق من هذا الشهر داخل مدينة سانتوس الساحلية، وهو يتشاجر مرتين مع مسؤولي حراسة تابعين للسلطات البلدية، بسبب تصديهم له؛ لعدم ارتدائه قناعاً للوجه أثناء وجوده بالخارج، حسب مرسوم أصدرته سلطات المدينة في مايو (أيار). وانطلق القاضي في موجة غضب، واصفاً أحد الحراس بأنه جاهل، وحاول إهانة الآخر عبر تعمد الحديث بالفرنسية، وسعى لاستغلال نفوذه، من خلال إجراء محادثة هاتفية مع مسؤول شؤون السلامة على مستوى البلدية. وعندما أخفق مزّق إيصال الغرامة، وألقى به على الأرض.
كان ذلك سلوكاً رديئاً، لكن الأسوأ أنه كان مألوفاً للغاية.
من جهته، صاح تاجر مجوهرات في ساو باولو بغضب في وجه ضابط دورية جاء إلى بيته استجابةً لبلاغ بوقوع حادث عنف منزلي داخل مجمع من المنازل الفاخرة تحيطه الأسوار في مايو.
ويتكرر الأمر بين أبناء ريو دي جانيرو، الذين لا يبدي الأثرياء منهم التزاماً بالأوامر المرتبطة بالصحة العامة. على سبيل المثال، صاحت إحدى السيدات: «ليس مواطناً!»، وذلك عندما خاطب مفتش بمجال الصحة العامة زوجها عبر هذا اللقب الذي يساوي بين الجميع، في وقت كان يحاول فيه فرض إجراءات التباعد الاجتماعي، داخل واحدة من الحانات المزدحمة.
وأضافت السيدة الغاضبة في محاضرة ألقتها على مسامع المفتش: «إنه مهندس مدني، ويحمل دبلومة. إنه أفضل منك».
وحدد عالم الأنثروبولوجيا، روبرتو داماتا، ملامح المشكلة خلال دراسة كلاسيكية حول واحد من أبرز العيوب التي يتسم بها المجتمع البرازيلي، السلطوية المنغلقة، التي تُعتبر أفضل تعبير عنها العبارة الأثيرة: «هل تعلم مع مَن تتحدث؟»، نشر داماتا مقاله عام 1978، في أحلك لحظات الحكم العسكرية بالبلاد. وقال داماتا إنه ينبغي مقارنة تلك العبارة بالأخرى الشائعة الاستخدام داخل الولايات المتحدة، التي تعبّر بقوة عن الديمقراطية: «من تظن نفسك؟».

 
أما اللغز هنا، فيبقى: لماذا بعد أكثر عن ثلاثة عقود من الديمقراطية، لا يزال البرازيليون يتشبثون بمثل تلك الأساليب السلطوية، ويرفضون الرضا بالمساواة بين الجميع أمام القانون.
ويمكن نسب الفضل إلى فيروس «كورونا» لإعادة البلاد نحو الاهتمام بالقراءة. وفي هذا الصدد، أوضح داماتا (84 عاماً) في حديث له معي: «أجريت الكثير للغاية من المقابلات». ولا يتحدث داماتا عن حفنة من الشخصيات النافذة داخل البرازيل، وإنما عن ثقافة لا تزال قائمة بالبلاد.
في الواقع، خلال كل نهاية أسبوع منذ مطلع يوليو، عندما بدأ مسؤولو ريو في تخفيف أوامر التباعد الاجتماعي، أشاهد حشوداً من الناس لا يرتدي أي منهم قناع حماية للوجه ينطلقون عبر طرقات ضاحية أوركا التي أسكن بها، بحثاً عن الترفيه. واللافت هنا أن ثمة مساراً مباشراً يربط الضاحية بمقر القاضي المتغطرس في سانتوس، والرئيس البرازيلي جايير بولسونارو الذي لطالما نفي وجود الفيروس، وكثيراً ما سخر من إجراءات الحماية منه، مما تسبب في إصابته بالفيروس، بل وروج لعقار «هيدروكسيكلوروكين» الذي أكد الأطباء على عدم صلاحيته، في صفوف المرضى.
ولحسن الحظ، تبدي البرازيل بعض المؤشرات الحيوية المشجعة، فبمجرد أن ينطلق المتغطرسون في خروقاتهم، يسارع المارَّة الحاذقون إلى تصويرهم بهواتفهم الذكية ونشر المقاطع عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ما دفع داماتا لوصف تلك الهواتف بأنها «أدوات الشفافية». والنتيجة: تقدم القاضي الذي مزق إيصال الغرامة باعتذار بعدما خضع لتحقيق من جانب قضاة زملاء له. كما نشر تاجر مجوهرات اعترافاً بذنبه، وهو يرتدي قناعاً للوجه، ويلقي اللوم عن موجة الغضب التي انطلق فيها على بعض العقاقير التي يتناولها. في الوقت ذاته، تحول الموظفون العموميون الذين تعاملوا معهم إلى شخصيات شهيرة عبر شبكات التواصل الاجتماعي. وتقدم ضابط الشرطة وشريكه في ساو باولو بدعوى لطلب تعويض ضخم من تاجر المجوهرات الغاضب عن الأذى المعنوي الذي تعرضا له بسببه.
ولا يزال بمقدور البرازيل تقديم أداء أفضل من ذلك، خاصة أنها البلد الذي يشهد تحقيق «عملية مغسل السيارات»، الذي يعد أكبر حملة على مستوى أميركا اللاتينية ضد الفساد السياسي، وكشف أنه حتى الشخصيات النافذة والقوية يجب أن تخضع للقانون.
من جهته، قال داماتا: «لم يقرر البرازيليون بعد ماذا يرغبون في أن يصبحوا: أرستقراطيين أم مواطنين متساوين. لقد بنينا دولتنا على أسس قيم مستوردة من الولايات المتحدة وأوروبا، لكن أخفقنا في إقرار ما يصاحب هذه القيم من شعور بالمسؤولية الفردية وحكم القانون. وبدلاً عن ذلك، فضَّل البرازيليون الاختفاء خلف ستارة من الغموض»
المؤكد أن الأمر سيتطلب أكثر عن مجرد هواتف ذكية لحل هذه المعضلة.