الشريط الإعلامي

بين تركيا ومصر

آخر تحديث: 2020-07-12، 07:19 am
جميل النمري

جيش مصر كان سيدخل اسطنبول لولا هبة الدول الأوروبية لنجدة « رجل أوروبا المريض – العثماني» فقد كانت قوات ابراهيم باشا قد دحرت الأتراك من بلاد الشام وتقدمت شمالا في الأناضول لكن اوروبا ما كانت لتقبل أن تظهر دولة فتية قوية تضم كل المشرق على انقاض الامبراطورية العثمانية العجوز المتهالكة.

مجددا، بعد قرنين تقريبا يقف الجيش المصري على شفير حرب مع الجيش التركي لكن على الضفة المقابلة للمتوسط أي في ليبيا وشواطئها حيث تحوم السفن الحربية التركية يسوقها جموح وطموح اردوغان الأقليمي. لقد استثمر في حكومة السراج المدعومة من الاسلاميين وعقد معها اتفاقية ترسيم الحدود البحرية لاستثمار النفط والغاز واتفاقية تعاون عسكري مهدت لتدخل عسكري تركي واسع النطاق أنقذ الحكومة والميليشيات المحاصرة معها في طرابلس وقد ظهر أثر التدخل العسكري التركي بسرعة اذ تم دحر قوات حفتر من محيط طرابلس ومن المطار وقاعدة الوطية الجوية ومن مدن وبلدات اخرى في الغرب الليبي وبدأ التحضير لاقتحام الهدف الاستراتيجي الأثمن وهو مدينة سرت ميناء النفط الرئيس الى جانب قاعدة الجفرة ليصبح هلال النفط تحت السيطرة وتنفتح الطريق الى الشرق وصولا للحدود المصرية. وحينها وجه الرئيس المصري انذاره الحاسم للأتراك بأن خط سرت - الجفرة خط أحمر لن يسمح بتجاوزه.

مصر وجميع الدول المتوسطية الأخرى رفضت الاتفاقية الثنائية البحرية الليبية التركية التي تجاهلت الجميع واعطت لتركيا حقوقا لا تقر بها الأطراف الأخرى ولم يكن هذا المكسب الوحيد فهناك بحر النفط الليبي تحت الأرض وثروات طبيعية هائلة أخرى. وأظهر اردوغان غطرسة زائدة اذ استخدم حلفائه من الميليشيات السورية كمرتزقة وارسل منهم للقتال في ليبيا عددا يقدر ب 15 الف رجل. وأمام التدخل العسكري التركي واستمرار التوسع بالحسم العسكري اضطرت مصر للتلويح بالتدخل وجهت رسالة عيانية بقصف قاعدة الوطية، قصف بقي مصدره مجهولا الا للأتراك الذين ردّوا بالاعلان عن مناورات عسكرية كبرى قرب الشواطىء الليبية أطلقت عليها أسماء ذات دلالة من بينها بارباروسا (خير الدين) القرصان الشهير الذي ارهب السفن التجارية في البحر المتوسط ثم اصبح قائدا للبحرية العثمانية. وفي ذلك دلالة لا تخفى. وأردوغان لا يخفي نزعته الامبراطورية العثمانية ومجالها الحيوي العالم السني وأداتها الجاهزة الاسلام السياسي المهووس بزعامته وكأنه يرى فيه ملامح المجد الغابر لخلافة بني عثمان مع ان آخر قرون لحكمهم لم يحقق للشعوب الا البلادة والتخلف والركود.

جيش مصر الذي قام بمناورات على الحدود الليبية قبل ايام يصنف التاسع على العالم بينما الجيش التركي الحادي عشر ولمصر افضلية القرب البري من ليبيا وهي ستكون بالضرورة في موقف اقوى كثيرا من تركيا في مواجهة مباشرة. لكن حربا بين بلدين بحجم تركيا ومصر أشد غباء وسوءا من ان ينجر لها البلدان فعلا. مصر لديها جبهات وهموم اخرى تكفيها وتغنيها وتريد متابعتها بعكس ما يدعيه أعداء النظام في مصر بأن السيسي يفتعل صداما في ليبيا هربا من أزمة سدّ النيل والتصدي لأثيوبيا! قد يحرص الطرفان المصري والتركي على تجنب الحرب وقد يحدث تدخل دولي لمنعها فتستمر الحرب بالوكالة بين الليبيين وهذا أسوأ سيناريو لهم. ويبقى الحلّ المأمول هو وقف فوري للعمليات العسكرية وعودة الأطراف الى طاولة المفاوضات بإشراف دولي.للتوصل الى حلّ وهذا ممكن اذا تواضع اردوغان وتخلى عن غطرسته وطموحاته التوسعية.