الشريط الإعلامي

الوظائف العليا والصداع الدائم للحكومات

آخر تحديث: 2020-07-07، 06:33 am
زيد نوايسة
اخبار البلد ـ تتعرض الحكومة -أي حكومة-لموجة من النقد القاسي بعد كل وجبة تعيينات للوظائف العليا من أمناء عامين ومديرين ومفوضين ورؤساء وأعضاء مجالس إدارة، حتى تحول الأمر لصداع دائم لها، ويستدعي التبرير والدفاع عن مصداقية وقانونية قرارات التعيين.

هناك ملاحظات كثيرة تقال في آليات التعيين وظروف المقابلات. ولنعترف أن الحكومات عموما ما تزال غير قادرة على مقاربة هذا الموضوع بشكل مقنع للناس بالرغم من وجاهة ومنطقية جزء كبير من قرارات التعيين. مما يشكل مادة ثرية للهجوم والنقد.
سابقا ومنذ تأسيس الدولة كان مجلس الوزراء يقرر التعيين بناء على تنسيب الوزير المعني مع الأخذ أحيانا بعين الاعتبار التراتبية الوظيفية ومنطق المحاصصة والترضية وأحياناً الاستجابة لطلب مؤسسات سيادية ترى أن المصلحة تستدعي وجود شخص ما في هذا الموقع أو ذاك. وكانت الأمور تمضي دون اكتراث الناس لكن الزمن تغير والعيون تفتحت.
ربما تكون أول محاولة للانتقال من الأسلوب التقليدي إلى المؤسسي في آلية واختيار من يشغل الوظائف العليا قد تمت في عهد حكومة الدكتور معروف البخيت العام 2005، إذ تم في حينها تشكيل لجنة وزارية لمقابلات من يرشحهم الوزير المختص بحيث يُنسَّب أحد الأسماء لمجلس الوزراء. وغالبا ما كان التنسيب يتم وفق رؤية الوزير المعني. وبالتالي أصبح دور اللجنة شكليا.
وأذكُر هنا أن أحد أعضاء اللجان سأل أحد المرشحين لشاغر أمين عام وزارة الزراعة «هل لديك استراتيجية لتسويق الجميد الكركي؟!» فظن الرجل أن السؤال كان على سبيل السخرية ليكتشف أنه جدي فعلا وعليه علامة! فخرج من المقابلة متيقنا أن قرار التعيين محسوم لشخص آخر يريده الوزير وبالتالي كانت اللجنة مجرد عنوان دون مضمون.
لاحقا وفي عهد حكومة الدكتور عون الخصاونة العام 2011 صدرت تعليمات تتضمن آلية التعيين. ولم تختلف عن السياق السابق إذ غالبا ما كان القرار مرتبطا برغبة الوزير المعني. وعلينا أن نتذكر أن الوزراء هم جزء من هذا المجتمع وليسوا ملائكة وينحازون لرغباتهم. أما الحديث عن الشفافية المطلقة فلا يخلو من المبالغة؛ فبمجرد شغور موقع الأمين العام أو المدير العام يكون البديل جاهزا.
في العام 2013 صدر نظام التعيين على الوظائف القيادية، وتم تعديله في العام 2019 في عهد الحكومة الحالية. وقد استثنى هذا النظامُ المحافظين والسفراء لخصوصية عملهم. اعتمد النظام على المنافسة من خلال الإعلان المفتوح لكل من تنطبق عليه الشروط. وهنا أدخلت الحكومة نفسها في آليات طويلة تستدعي فرز مئات بل آلاف طلبات المتقدمين للوظيفة العليا ممن يستحق ولا يستحق.
ربما كانت الحكومة بغنى عن ذلك، فالأصل أن يكون التنافس أولاً بين العاملين في الوزارة أو المؤسسة نفسها وثانيا مع العاملين في جهاز الإدارة العامة الحكومي، فهؤلاء هم الأحق بالموقع باعتبارهم الأعرف بشؤون الوظيفة. وفي حال عدم توافر الشخص المؤهل يمكن الإعلان عنها بشكل مفتوح للجميع. لكنها اختارت أن تجلب المتاعب لنفسها، وهو ما حصل فعلا. فمهما كانت معايير النزاهة والشفافية سيكون قرار التعيين عرضة للنقد لأنها وسعت القاعدة كثيراً لإظهار الشفافية.
يلاحظ غياب جهات مهمة لديها مصداقية وموضع ثقة من الجميع عن اللجنة التي تقابل المرشحين النهائيين. فمن المناسب طالما أن الامر يحتاج لقرار من رئيس الوزراء أن يكون هناك تمثيل للمجلس القضائي ولهيئة النزاهة ومكافحة الفساد وديوان المحاسبة، لأن وجودهم يعطي مصداقية ورسائل اطمئنان ويخفف من الهجوم على الحكومة.
ربما تكون الحكومة مقتنعة بأن إجراءاتها شفافة. لكنها تستطيع إغلاق هذا الباب نهائيا بإلغاء عشرات الوظائف التي تعتبر بحكم الفئة العليا وهي فائض عن الحاجة وأهمها وظائف الهيئات والمفوضين التي تحولت لكيانات موازية تجلب الصداع والمتاعب دون أن تحدث فرقا في الأداء الحكومي.