الشريط الإعلامي

وزير و«كمامة»… وجع التفاصيل في الأردن

آخر تحديث: 2020-05-28، 06:46 am

اخبار البلد-

بسام البدارين 

يقف وزير الصحة الأردني الدكتور سعد جابر مباشرة أمام بوابة منزل شقيقته في زيارة العيد مرتديا كمامته ودون دخول حرم المنزل بغرض التهنئة بالعيد ويلقي التحية عن بعد عدة أمتار.

كان الوزير الطبيب يستطيع بطبيعة الحال إرسال بطاقة تهنئة بالعيد عبر الهاتف الخلوي.
لكنه أراد ضرب المثل وإبلاغ الأردنيين بأنه قدوة ويبدأ بعائلته عندما يتعلق الأمر بجدية الحظر بعدما أخذ على عاتقه الشخصي مجازفة حشر الأردنيين جميعا لثلاثة أيام متكاملة خلال العيد.
لا أحد يعرف من التقط الصورة للوزير على بوابة شقيقته لكن الرجل كان قبل أسبوع من العيد قد وعد الشارع بأن يفعل ذلك.
لا توجد أدلة على أن المشهد يخلو من «الاستعراض السياسي» ولا أدلة على العكس، لكن الأهم أن الأردني لن يقتنع لا بكورونا ولا بغيرها بأن العيد سيتحول بعد الآن لهذا النمط البائس جدا من تبادل التهنئة، وواحدة من أهم مشكلات القرار السياسي في الأردن مؤخرا أن الطاقم لا يبذل الجهد الكافي والمقنع هنا ولا يمتلك بوضوح الخبرة التي تؤهله لإقناع «سايكولوجيا الجماهير ».
طبعا كان يمكن للمشهد نفسه أن يكون مقنعا أكثر لو لم يتدافع على الأقل مليون أردني للشوارع على بوابات المخابز بعد ساعات فقط من إعلان الحظر الغليظ لثلاثة ايام.
وكان يمكن أن يقنع أكثر وأكثر لو أبلغنا وزير الصحة عن رأيه في هذا التدافع بعدما منع الناس من مغادرة منازلهم لثلاثة أيام.
بكل حال افترض عدم وجود «إجابات» مقنعة حتى عند وزير الصحة وهو بالمناسبة طبيب قلب بارع وليس متخصصا بالوبائيات، لكن المهم أن الرأي العام شاهد الحكومة في صبيحة اليوم الأول في الحظر الثلاثي وهي تبدأ بسلسلة الخصومات.
أحد المعنيين أبلغني مثلا بأن قائمة واحدة تضم أكثر من ثلاثة آلاف اسم تحركت وحصلت على تصاريح تسمح بالحركة صبيحة اليوم الأول للحظر الشامل في العيد.

وبدا واضحا أن الإجراءات لا تدرس بالتفصيل بدلالة أن القرارات في الحظر الشامل بدأت تصدر تباعا بالسماح للصيدليات بالعمل ثم بصهاريج نقل المياه والسبب أن» الوزير» لا يريد حصول أخطاء وبدأ يتحرك لتخفيف الحظر في قطاعه مما يعني بالنتيجة أن مجلس الوزراء لم يدرس الأمر جديا وجيدا بشمولية قبل اتخاذ القرار أو الإجراء.
عندما حصل ذلك مرارا في بدايات أزمة كورونا قيل لنا إن «العدو غامض» وبأن الأخطاء ستحصل وستعالج بمرونة.
لكن اليوم نتحدث عن «خبرة متراكمة» لنحو ثلاثة أشهر كفيلة بأن يتدرب الوزراء وتعرف القطاعات ما الذي ينبغي أن يحصل بالتفصيل عندما يتقرر الحظر الشامل وهو ما لم يحصل في واحد من أكثر قرارات الحظر غموضا وإثارة حتى الآن.
لكن في المشهد الثاني تبدو العلاقة «غير مفهومة» بين ما حصل من تشدد في «عيد الحظر الشديد» وبين بقاء الشوارع مزدحمة ثاني وثالث يوم في العيد لساعة متأخرة من الليل بعد «وجع» البقاء في المنازل لثلاثة ايام.
وتبدو علاقة غير مفهومة بتاتا بين الحظر المتشدد بدعوى منع الاحتشاد وبين سلسلة احتفالات قطاعية بعد ساعات الحظر شهدتها الشوارع بمناسبة عيد الاستقلال وبصورة توحي بأن في المشهد أكثر من اتجاه وأحيانا أكثر من حكومة وعلى الغالب عدة آراء.
في الحالة المحلية عندما تصبح الإجراءات «غير مفهومة» اعتدنا كأردنيين أن نستنتج أن دائرة المسؤولية والتصرف في المستوى البيروقراطي تتزاحم فيها الآراء ويظهر ذلك جليا في الميدان.
واعتدنا الوصول إلى قناعات بوجود أجندات تتزاحم أو تعدد مرجعيات وآباء متناسخون لكل قرار أو إجراء.
بعض المراقبين وأنا منهم دوما تعجبهم «تكتيكات» الحظر والإغلاق خصوصا عندما تنجح في التصدي للفيروس وحماية الأرواح.
لكن هؤلاء جميعا اليوم لا يعرفون كيف تتسلل تكتيكات مضادة لعمق الإجراء أو لعمق كل قرار بحيث تتصرف الدولة ضمن الواجب السيادي العام فتنجح وتفلت التفاصيل في الميدان.
كانت ولا تزال التفاصيل هي التي تفلت في الحالة البيروقراطية الأردنية بسبب خمول الفلاتر وكسل المفاصل وأعراض وأمراض الإدارة البيروقراطية وهوس مسؤولي الصف الثاني والثالث بعدم اتخاذ أي قرار حقيقي حتى في الأزمات تجنبا لتحمل المسؤولية بما في ذلك مشاهدة أنفسهم يوما تحت ضغط الشارع والصحافة أمام تحقيقات «فساد».
الإدارة الأردنية كانت طوال عقود معنية بالتفاصيل ودرجة الامتثال انتهت بطبقة كبيرة من الخبراء الذين تحولوا إلى «ثروة وطنية» تم تصديرها لعقود بهدف المساهمة في بناء دول أخرى… أين اختفى كل ذلك فجأة؟
أحيانا لا يعطى الخبز لخبازه… نفهم ذلك عند مقتضيات الأمن القومي وفي الانحيازات السياسية أحيانا لكن لا نفهمه عندما يتعلق الأمر بلجنة وباء أو بالأمن الزراعي أو حتى الغذائي والأهم الصحي.
مرة أخرى وأخيرة: كانت التفاصيل تفلت قبل كورونا بدون ضرر كبير لكن انفلاتها اليوم يؤلم الجميع.