الشريط الإعلامي

هل سيتغير العالم؟ سؤال ليس لنا

آخر تحديث: 2020-05-23، 07:59 am
إبراهيم عبد المجيد
أخبار البلد - كثير جداً مما يكتب، إن لم يكن كله، عن العالم ما بعد كورونا هو تصوارت حقيقية في بلاد، وغير حقيقية في بلاد أخرى. ما يقال عن تغير في العالم لا ينطبق على بلادنا، التي تعيش تحت حكم مركزي ملكي أو أميري أو عسكري. لقد أعطى وباء كورونا فرصة لهذه الدول أن تظل كما هي وسيعطيها. انتهت الحركة الشعبية في لبنان، وأصبح الحديث الأول الآن هو، كيف تستمر الحياة العادية. الأمر نفسه في الجزائر والسودان. في مصر لا تزال الدولة تتعامل مع المعارضين كأنه لا يوجد وباء يهدد الجميع. في سوريا تزداد قبضة الحكم

في الدول الملكية والأميرية نوع من الاستقرار من قبل كورونا، وكثير من الرضا، إن لم يكن كل الرضا من الناس. لأول مرة أشعر بأن النظريات والأفكار العالمية لم يعد لها مكان في بلادنا. أستعيد التاريخ القريب، وأتذكر أن ما سمي باشتراكية في مصر، أو الجزائر مثلا كان بانقلابات عسكرية، وكانت رأسمالية دولة، فلم تكن هناك أحزاب اشتراكية بالقوة التي تجعلها تصل إلى الحكم، بل كان أول شعار عن الاشتراكية مع التأميم في مصر، وكل الشيوعيين في المعتقلات. لم يخرجوا إلا بتصالح، ورأوا هم بدورهم أن ما تقوم به الدولة اشتراكية، ثم فوجئوا بأن كل ما قامت به الدولة فتح السادات الأبواب لبيعه والتخلص منه، رافعا شعار الرأسمالية والمشروع الحر، ولم يجد طريقا إلى ذلك إلا بالاستبداد، وإطلاق الأفكارالشمولية للإخوان المسلمين والوهابيين، وكما نقول بالبلدي «انعكت الدنيا» ولا تزال. فلا الطبقة العاملة وصلت إلى الحكم تحت دعوى الأفكار الاشتراكية، ولا المناخ مفتوح للحريات التي تعيشها الدول الرأسمالية على الأقل داخلها، وكل ما سمي باشتراكية كان رأسمالية دولة

صار الشيوعيون بتجلياتهم، من ثوريين وفوضويين، معارضين وعرفتهم السجون من جديد والمنافي. ما يقال عن أمريكا أو ألمانيا أو فرنسا أو أوروبا عموما، لا مكان له في بلادنا. لقد طال الزمن وبعد بيننا وبين الليبرالية، بل وبين إرث هذه البلاد الثقافي. ولا يزال رجال دين كبار يعتبرون أن انهيارنا، لأننا اتبعنا الحياة الأوروبية، فضاعت القيم والتقاليد، وطبعا هذا يفيد الحكام، فالقيم هي الصمت والرضا بما يفعله ولي الأمر

تونس هي الوحيدة التي نجت من هذا كله إلى حد كبير، لأن التراث الفرانكوفوني فيها شائع بين الناس. العسكريون هناك منذ البداية ابتعدوا عن الصراع على الحكم، الإخوان المسلمون هناك، رغم أنهم في النهاية فريق شمولي لا يجدون لهم فرصة إلا بتبني الحريات. سيحدث لنا ما حدث من قبل مع الأوبئة. ظلت مصر طوال الحكم العربي وتفرعاته من فاطميين وأيوبيين ومماليك وعثمانيين إلخ، تداهمها بين أعوام وأخرى الأوبئة، ولم ينته الأمر أبدا بتغيير الحاكم، ولا اتساع رقعة الحكم ولا الإطلالة على العالم وكيف يتغير. لم يحدث ذلك إلا حين جاء العالم إلينا ممثلا في الحملة الفرنسية، وكما كانت دهشة الناس بالمدافع، كانت دهشتهم من قبلات النساء للرجال في الشوارع. ما مرّت به مصر من إطلالة على أوروبا انتهى مع انقلاب يوليو/تموز، أو ثورة أو كما تشاء. وحين ظهرت الميديا واتسع العالم وحدثت ثورة يناير/كانون الثاني تم إفشالها. الأمر لدينا معاكس تماما لما هو في أوروبا. رغم الدعوات لزيادة دور الدولة في أوروبا، فهذا لا يعني أنها ستجنح إلى الشمولية

أوروبا لا تنسى كيف انتهت الحرب العالمية الأولى بظهور الاتحاد السوفييتي، تحقيقا لفكرة المدينة الفاضلة، ولم يكن ذلك بسبب الحرب، لكن بسبب نضال كبير سابق، وانتهى القرن العشرون بسقوط وتزعزع هذه اليوتوبيات، لأنها كانت حلما صعب المنال

لقد رأينا مظاهرات في ألمانيا قليلة حقا، لكنها ذات دلالة ترفض البقاء في البيوت، لأنه يتعارض مع الحرية. الدول في أوروبا تعرف أن هناك تراثا لا يمكن الافتئات عليه من الحرية، وكورونا أمر طارئ، وستعود الشعوب إلى مكتسباتها التاريخية من الحرية. سيكون التعامل مع كورونا مؤقت كحالة حرب، بعدها سيعود كل شيء إلى ما كان عليه، ولن يتم انتقاص في الحريات، بل قد تزيد كرد فعل لسياسة «خليك في البيت». تشرشل رئيس وزراء بريطانيا أثناء الحرب العالمية الثانية، وفي أول انتخابات بعد الحرب، فشل في الحصول على الأصوات الكافية. انتهى دورك يا سيدي وشكرا. ديغول أحد أيقونات الحرب العالمية الثانية، حين انفجرت حركة الشباب الكبرى في الستينيات، فهم الرسالة وابتعد، رغم حصوله على نسبة في الاستفتاء على وجوده، يعتبرونها في بلادنا رائعة. لدينا إن لم يتم التزوير، فحتى لو حصل المرشح على صوت واحد زيادة فليتقدم ليحكم

أوروبا لا تنسى كيف انتهت الحرب العالمية الأولى بظهور الاتحاد السوفييتي، تحقيقا لفكرة المدينة الفاضلة، ولم يكن ذلك بسبب الحرب، لكن بسبب نضال كبير سابق، وانتهى القرن العشرون بسقوط وتزعزع هذه اليوتوبيات، لأنها كانت حلما صعب المنال، أعادت الاستعباد، وإن في صورة تبدو متحضرة. الحركات النقابية في أوروبا وأمريكا حققت كل ما كان يطمح إليه الشيوعيون في الاتحاد السوفييتي، بدون سجون أو معتقلات أو نفي

تراث الحريات هناك يقفز بعد كل كارثة، لكن لدينا ما يقفز هو تراث الاستبداد. لا يقفز في الحقيقة بل يستمر. هل هذا الفيروس سيستطيع حقا تغيير الأفكار في العالم، وما يترتب عليها من أفعال؟ سيحدث لكن ليس لنا. التغيير الذي سيحدث في أوروبا وأمريكا هو ازدياد توحش الليبرالية، على الأقل، في توجهها الخارجي وذلك ما سيصيبنا منها، فالأرض ممهدة لكل الوحوش. النداءات التي ارتفعت في هذه الدول بتدخل السلطات وتأميم المستشفيات وتدعيم دور الدولة، حين تمر الأزمة سيعود كل شيء كما كان. الدول التي تعاني من الديكتاتوريات، بعد انتهاء كورونا، ستزداد تجليات ديكتاتوريتها وتستمر في جبروتها. لقد حميناكم! وستجد المستفيدين ممن حولهم، ومن رجال الدين، يعتبرون حكامها هدية السماء التي أنقذت الشعوب. قد أكون متشائما، لكنني لا أرى خروجا إلى أي جديد، فالماضي لدينا محمل بالإرث الشمولي، أكثر مما هو محمل بإرث الحريات. أتلفّت حولي وأضحك حين أرى الحالة الأدبية خلت من اللقاءات وصارت على طريقة زوم أو سكايب أو غوغل مِيت، وحين تعود الشوارع سنرى أنفسنا غرباء. حتى شبكات التواصل والتقدم التكنولوجي التي هي من صنع البشر ستزيد بدورها في تغريبهم، واحتلال الآلة مقدمة المشهد، وبعد أن ينزاح الوباء لن يخرج كثير من الناس من بيوتهم التي اعتادوا عليها. في هذه المرة لن يكون الأمر بسبب الوباء، ولا رعبا من الحاكم لكن لأن الآلة تقدمت المشهد وازداد نفي البشر. كل ما سيحدث هو أن العالم سيشهد موجة كبيرة من تأليف الروايات، تماما كروايات الحروب أو القهر، وموجة من الأشعار تظل تنعى الأرض الخراب، وهي تتغير أمامنا وفقا للمصالح الكبرى والطبقية التي لن تنتهي