الشريط الإعلامي

عودة للطلقة الأولى

آخر تحديث: 2020-05-23، 07:57 am
عبد الحليم قنديل
أخبار البلد - قبل أيام من إجراء الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، وبتاريخ السبت 29 فبراير/شباط 2020، نشرت في هذا المكان مقالا بعنوان «إشارات الحرب الوشيكة»، قلت فيه بالنص «أيا ما كانت نتيجة الانتخابات الإسرائيلية الوشيكة، وهي الثالثة من نوعها في غضون عام واحد، ومن دون نجاح في تشكيل حكومة، وإن كانت استطلاعات الرأي تشير هذه المرة، إلى تفوق طفيف محتمل لحزب نتنياهو (الليكود)، ولحلفائه في أقصى اليمين الإسرائيلي، ومن دون استبعاد حدوث مفاجآت ما، قد تكرر حالة الشلل نفسها، التي جرت بعد جولة الانتخابات الثانية، وتعيد تقارب حظوظ نتنياهو مع الجنرال بيني غانتس زعيم كتلة (أزرق أبيض)، ولجوء نتنياهو هذه المرة إلى التوافق المبكر مع غانتس، مع الحرص على استلامه رئاسة ما يسمى حكومة الوحدة الوطنية أولا، وتحديه لمحاكمته الجارية في قضايا الفساد واستغلال السلطة المنظورة، وولعه بالظهور في مكانة ملك إسرائيل، خصوصا مع تباهيه بغزواته التطبيعية في قصور الحكام العرب، وبالصفقات التي عقدها مع إدارة ترامب الأمريكية، واستعجاله لتنفيذ بنود ما تسمى خطة السلام الأمريكية، وعزمه المبادرة إلى ضم مستوطنات الضفة الغربية ومنطقة الأغوار بعد تشكيل الحكومة الجديدة، ومن طرف واحد، مستفيدا من انشغال ترامب بحملته الانتخابية لكسب الرئاسة الثانية، وشدة احتياجه لدعم اللوبي الصهيوني، وهو ما لا يعارض فيه غانتس غريم نتنياهو الانتخابي، وشريكه في دعم خطة الإدارة الأمريكية، التي حرصت صوريا على الوقوف في المنتصف بين نتنياهو وغانتس، والتأكيد على كون خطتها هدية لكيان الاغتصاب الإسرائيلي ككل، وليس لحزب أو زعيم بذاته»

انتهى الاقتباس الطويل المستعاد من مقالي المنشور هنا قبل ما يزيد على الشهرين ونصف الشهر، وقد تحقق التوقع حرفيا، وتشكلت الحكومة المرجحة، ولمدة ثلاث سنوات مقبلة، وباتفاق على رئاسة نتنياهو في الثمانية عشر شهرا الأولى، ويليه غانتس في النصف المتبقي من مدة الحكومة، وجرى التصويت في «الكنيست» بمنح الثقة، وجرى تفتيت كتلة (أزرق أبيض)، وانفرد غانتس مع حزبه «حصانة لإسرائيل» بنصف الكعكة الحكومية، مع اختراع منصب إضافي لغانتس اسمه «رئيس الوزراء البديل»، يأخذه نتنياهو لنفسه، حين تنتهي مدته في رئاسة الوزراء

وبذلك تحققت أهداف نتنياهو كلها في رمية واحدة، فالقانون الإسرائيلي لا يجبر رئيس الوزراء على الاستقالة مع بدء محاكمته في 24 مايو/أيار الجاري، وأصبح بوسعه بعد أن صار أطول رؤساء وزارات إسرائيل عمرا في منصبه، أن يظهر في صورة ملك إسرائيل، وأن يعلن الضم النهائي لمنطقة أغوار الأردن وشمال البحر الميت ومستوطنات اليهود الكبرى والصغرى في الضفة الغربية، بعد أن ضم الجولان من قبل بدعم أمريكي، وبعد أن ضم القدس المحتلة بكاملها، وقد أعلن نتنياهو قرار الضم الجديد في خطاب التنصيب الحكومي، وضرب موعدا للتنفيذ بعد أسابيع في أول يوليو/تموز المقبل، وباتفاق كامل مع الجنرال غانتس، الذي صار وزيرا للدفاع، وقد كان الأخير رئيس أركان أسبق لجيش الاحتلال، وصمم على تعيين رفيقه الجنرال جابي أشكنازي ـ رئيس الأركان السابق ـ وزيرا للخارجية في الحكومة الجديدة

لم يعد لدى الفلسطينيين ما يخسرونه، إن هم قاموا بثورة جديدة، وتاريخهم البعيد والقريب حافل بالثورات والانتفاضات

والمعنى بوضوح، أننا بصدد حكومة حرب جديدة في كيان الاغتصاب الإسرائيلي، يقودها نتنياهو المهووس بلقب ملك إسرائيل وفارس أحلامها، وبأركان حرب من الجنرالات، وكان الجنرال غانتس قد قال، إنه لم يكن هناك مفر من التفاهم مع نتنياهو، وتشكيل حكومة مشتركة، وإلا ذهبت إسرائيل كما قال إلى حرب أهلية داخلية، والبديل على ما يبدو، هو تصدير التناقضات الداخلية، وإشعال حرب أخيرة ضد الفلسطينيين، حرب يتصورون أنها تنهي كل الحروب، وفي بيئة دولية وإقليمية تبدو مواتية جدا لكيان الاحتلال، خاصة بعد تراكم الآثار الاقتصادية الكارثية لجائحة كورونا، وانشغال العرب بحروبهم الأهلية، وميل النظم العربية الرئيسية للتفاهم مع إسرائيل، بل التحالف معها ضد إيران، الرازحة تحت عقوبات الحد الأقصى الأمريكية، وعدم ممانعة واشنطن الأسيرة لأوضاع عام الانتخابات الرئاسية، واستعداد ترامب لفعل أي شيء لمصلحة إسرائيل، مقابل تعهد نتنياهو بدعمه عند اللوبي اليهودي الأمريكي في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، بعد أن تهددت فرصه في إعادة الانتخاب، مع فشله المريع في مواجهة جائحة كورونا، وتقدم منافسه الديمقراطي المحتمل جو بايدن عليه في استطلاعات الرأي العام، وهو ما يفسر مسارعة مايك بومبيو، رجل ترامب ووزير خارجيته بزيارة كيان الاحتلال، ولقاءاته المطولة مع نتنياهو وغانتس، رغم مخاوف عدوى كورونا، ومن وراء كمامات الاحتياط، أعلنها بومبيو صريحة في إسرائيل، وقال إن تنفيذ قرار الضم يخص حكومة إسرائيل وحدها، ومن طرف واحد، ومن دون حاجة لتفاوض مع الفلسطينيين الرافضين لخطة ترامب، وهو ما يعني ببساطة، أن الطريق بات مفتوحا لتنفيذ قرار إسرائيل بضم المستوطنات والأغوار، وربما شن حرب جديدة على غزة بدعوى نزع سلاح «حماس» و»الجهاد الإسلامي»، كما تنص خطة ترامب، ومن دون مبالاة بردود فعل اعتادتها إسرائيل من حكومة السلطة الفلسطينية، من نوع إعلانات الرئيس عباس المكررة قبل أيام بالتحلل من كل الاتفاقات السابقة مع الإسرائيليين والأمريكيين، أو التهديدات الأدني منها بوقف علاقة التنسيق الأمني، أو الدعوة لعقد اجتماع لمجلس الجامعة العربية، والحصول على قرارات رفض لفظي جديدة، أو اللجوء لمحكمة الجنايات الدولية، التي هددتها واشنطن، أن هي مست إسرائيل عجلها المقدس، وكلها ردود فعل لا يبالي بها كيان الاحتلال، وتقدر دوائر حكومته دورة سريانها بما لا يزيد على ثلاثة شهور، يكون كل شيء بعدها قد هدأ، ويكون الكل قد خضع للأمر الواقع الجديد، وبالتهام إسرائيل لما أرادت التهامه، وترك دويلة ثعبانية للفلسطينيين تحيطها إسرائيل من كل جانب، وفي صورة ستة كانتونات، تتحكم بها إسرائيل، ولا تكون دولة ولا شبه دولة

والمحصلة ظاهرة، فإسرائيل بصدد حملة حربية جديدة، عنوانها «الضم» النهائي هذه المرة، وإعلان الحرب لا يرد عليه بتصريحات وأحاديث تائهة عن السلام، وعن قرارات الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وكلها أمور بلا قيمة عملية بالمرة، خصوصا في ظل شلل المنظمات الدولية، واحتدام حرب باردة جديدة بين أمريكا والصين هذه المرة، وانحياز روسيا بطبائع الأحوال الاقتصادية والعسكرية إلى الصين، وضعف مبالاة الأطراف الدولية الكبرى كلها بالوضع الفلسطيني، وحرصها جميعا على علاقات طيبة مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، بالنظر إلى اتفاقات روسيا الضمنية مع إسرائيل، في ما يخص الوضع السوري، وإلى استثمارات صينية تتعاظم داخل إسرائيل نفسها، أضف إلى الصورة، ما يعلمه الكل من هوان وضع النظم العربية جبرا أو اختيارا، وهو ما يعني بالضرورة، أنه لا سند مؤثرا للفلسطينيين من خارج فلسطين في المدى المنظور، اللهم إلا السند الشعبي الغائب في نوم طويل، لا يوقظه منه غير اشتعال جذوة الكفاح الفلسطيني من جديد، فلم يعد لدى الفلسطينيين ما يخسرونه، إن هم قاموا بثورة جديدة، وتاريخهم البعيد والقريب حافل بالثورات والانتفاضات، وليس عليهم سوى أن يكسروا قيودهم، وأولها قيد السلطة الفلسطينية وليدة اتفاق أوسلو، فما من أفق قابل للانفتاح، وما من إمكانية لتجديد الكفاح الفلسطيني، بغير حل السلطة، وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، وضم «حماس» و»الجهاد الإسلامي» إليها، والخروج الطوعي لقيادات شاخت في مواقعها، وإنهاء حروب داحس والغبراء بين غزة ورام الله، والتطليق النهائي لوهم الدولة الفلسطينية المنفصلة في الضفة وغزة والقدس الشرقية، واستعادة الحلم الأصلي لتحرير كامل فلسطين من النهر إلى البحر، وبأساليب وأدوات كفاح جديدة، تستثمر التغيرات الجارية في فلسطين المحتلة بكاملها، خصوصا الثقل السكاني المتزايد للفلسطينيين في الأرض المحتلة بكاملها، وفيها يفوق عدد الفلسطينيين اليوم عدد اليهود المجلوبين للاستيطان، كما يفوق عدد الفلسطينيين عدد اليهود في الدنيا كلها، والمعنى ظاهر بلا التباس، فإذا كان بوسع دولة الاحتلال اليوم أن تجهض هدف دويلة الضفة وغزة، فإن بوسع الفلسطينيين لو اجتمعت كلمتهم، أن يجهضوا وينهوا هدف الصهيونية في جعل فلسطين دولة خالصة لليهود، وبشرط واحد في ما نظن، هو العودة للهدف الفلسطيني ساعة إطلاق رصاصة العاصفة الأولى أوائل 1965، وهو إقامة دولة ديمقراطية واحدة على أرض فلسطين كلها، تكون الأغلبية السكانية فيها للعرب الفلسطينيين كما هي اليوم، وتتحول إلى أغلبية ساحقة في مدى العقود القليلة المقبلة، تفرض كلمتها الديمقراطية الغالبة، وتقوض المؤسسة الصهيونية الفاشية العسكرية، وبأساليب كفاح متنوع، لا تستثني المقاومة المسلحة