الشريط الإعلامي

هل يمكن تطبيق النموذج السويدي في التعامل مع كورونا بجميع البلدان؟‎

آخر تحديث: 2020-05-21، 06:51 pm
اخبار البلد ـ تعد السويد أكثر البلاد التي تم مدحها وانتقادها في نفس الوقت، فيما يتعلق باستجابتها للفيروس التاجي الجديد ”كورونا"، وكل يوم يجلب نقاش جديد ساخن عن مزايا النموذج السويدي.

وبشكل عام، تقع الآراء في واحد من معسكرين:"أولئك الذين يقولون إن الدولة قد وجدت طريقة فعالة لمعالجة الوباء، كما جادل الصحفيون نيلز كارلسون، وشارلوتا ستيرن، ودانيال بي كلاين، في مقالات مجلة فورين أفيرز، وأولئك الذين قالوا إنها وجدت طريقة متهورة لتعريض صحة شعبها للخطر، وما يتفق عليه الجانبان هو أن التجربة السويدية تحمل دروسًا للآخرين، إما كنموذج يحتذى به أو كقصة تحذيرية".
وفي حين أن هناك بعض الجدل حول ماهية ”النموذج السويدي" في الواقع، فمن المرجح أن يتفق الكثيرون على وجود اختلافين رئيسين بين استجابة هذا البلد وردود الدول الغربية الأخرى، وأحدهما أن الحكومة السويدية قد اتبعت نهج عدم التدخل في إدارة الوباء، وهو نهج يمكن للدول الأخرى أن تتعلم منه، بينما تستعد لمواجهة طويلة المدى مع الفيروس.

والسمة الأخرى التي تميز استجابة السويد هي هدفها غير المعلن، ولكن المعترف به على نطاق واسع وهو تحقيق حصانة القطيع، وهنا يجب على الحكومات الأخرى الانتباه جيدًا للعلامات التحذيرية، وتوخي الحذر من اتباع خطى السويد.



لمسة خفيفة

غالبية الدول الأوروبية فرضت عمليات إغلاق وإجراءات قسرية أخرى لإبطاء انتشار الفيروس، ولكن السويد لم تفعل ذلك، وبدلًا من إصدار قيود إلزامية على النشاط الاجتماعي أو الاقتصادي، وضعت الحكومة السويدية مسؤولية الحد من المخاطر على الأفراد والشركات.

2020-05-fgfd

وأصدرت الحكومة مبادئ توجيهية وتوصيات بشأن كيفية مساعدة الأفراد على وقف انتشار المرض عن طريق غسل اليدين، والتباعد الجسدي، وتجنب السفر غير الضروري.

إلا أنها لم تهدد بالعقوبات أو الحبس إذا لم يتم اتباع التوصيات، ولم تأمر الحكومة الناس بعزل أنفسهم في المنازل، وتجنب الخروج، ولم تفرض تحديد العمال الأساسيين وغير الضروريين، وبقي الأطفال في المدارس، واستمر الناس في التجمع في المطاعم، والمتنزهات، والأماكن العامة الأخرى.

وحتى دون تهديدات شديدة من الحكومة، اتبع معظم الناس في السويد التوصيات وغيروا سلوكهم، وتشير سجلات التنقل في ”غوغل" إلى أن الأشخاص في المقاطعة التي تحيط في العاصمة ستوكهولم قد خفضوا رحلاتهم إلى مؤسسات البيع بالتجزئة والترفيه بنسبة تتراوح بين 20 و40 % واستخدامهم لوسائل النقل العام بنسبة تتراوح بين 30 و40 % أثناء الوباء، وهو ما يعادل تقريبًا الانخفاضات التي شوهدت في الدول المجاورة.


وترى الحكومة أن هذه السياسة الأكثر راحة وأقل قسوة هي أكثر استدامة، لأن السويديين تجنبوا الإرهاق والضغط الذي تحمّله مواطنو الدول الأخرى بسبب الإغلاق.

وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الغالبية العظمى من السويديين يدعمون إدارة حكومتهم للوباء حتى الآن، ويعربون عن تقديرهم لإمكانية الحفاظ على بعض مظاهر الحياة الطبيعية في حياتهم.

على النقيض من ذلك، يعاني أولئك الذين خضعوا لقيود الإغلاق لفترات طويلة في بلدان أخرى من خسائر اجتماعية وعاطفية متزايدة، فالعزلة الاجتماعية، والوحدة الناتجة عن تدابير التباعد الاجتماعي، تفاقمان مشاكل الصحة العقلية.
وفي استطلاع حديث للبالغين الأمريكيين أجرته مؤسسة أسرة كايزر، أفاد 45% من المستجيبين بأن صحتهم العقلية عانت وتضررت من التوتر المصاحب للوباء.

وفي دول مثل الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، يعترف الكثيرون بالحاجة إلى التباعد الاجتماعي ولكنهم يعبرون أيضًا عن الاجهاد والتوتر المتزايد من القيود، ولذلك تستحق السياسات التي تساعد على التخفيف من هذه الضغوط دون تعريض الصحة العامة للخطر، اهتمامًا كبيرًا ونظرة ثاقبة.

وتشمل الطرق التي قد يتبعها بعض البلدان التي تخضع للإغلاق لتسير على خطى السويد بأمان، السماح للأشخاص بالوصول إلى الحدائق العامة والأماكن المفتوحة الأخرى، واستمتع السويديون أيضًا بالجلوس في الهواء الطلق في المطاعم، مع الحفاظ على مسافة بدنية كافية، وهو نشاط آخر منخفض المخاطر يمكن تكراره بشكل مسؤول.

وبالطبع يجب أن تتوخّى الدول حذرًا شديدًا في السعي وراء أي تخفيف لتدابير التباعد الاجتماعي، وأن يقترن ذلك بالتوعية العامة المناسبة، بالإضافة إلى المراقبة لضمان الالتزام بالمبادئ التوجيهية.

وقد تكون للسويد أفضلية على البلدان الأخرى فيما يتعلق الأمر بالامتثال للمبادئ التوجيهية الطوعية بسبب مستويات الثقة العامة العالية في الحكومة والتي تعد استثنائية، ومع ذلك، من المحتمل أن يكون هناك مجال خارج السويد لنهج أكثر دقة يجعل إدارة هذا الوباء أسهل على المدى الطويل.



مجازفات كبيرة

على الرغم من أن نهج عدم التدخل السويدي في التباعد الاجتماعي يستحق دراسة البلدان الأخرى، إلا أن هذا لا ينطبق على سعيها الواضح لحصانة القطيع.

ونفى بعض المسؤولين السويديين أن حصانة أو مناعة القطيع هي الهدف النهائي للحكومة، ولكن عالم الأوبئة الرئيس في الدولة وكبار المسؤولين الآخرين شككوا بهذا الإنكار من خلال الادعاء مرارًا وتكرارًا بأن السويد تقترب بسرعة من حصانة القطيع، مدفوعة بسياسات التباعد الاجتماعي المخففة.

وفي أبريل/نيسان، على سبيل المثال، قدّر ممثلو وكالة الصحة العامة السويدية أن ثلث سكان ستوكهولم سيكونون محصنين بحلول بداية مايو، وفي الآونة الأخيرة، قدرت السلطات أن ما بين 20 و25 % من سكان مقاطعة ستوكهولم البالغ عددهم 2.4 مليون نسمة كانوا محصنين بالفعل حتى، أوائل مايو/آيار، وأن ستوكهولم ستصل إلى مناعة القطيع، مع تطوير ما بين 40 و60 % من سكان المدينة للأجسام المضادة بحلول منتصف يونيو/حزيران.


على الرغم من الإعلانات والبيانات الرسمية، لا يوجد سبب وجيه للاعتقاد بأن السويد تتمتع حاليًا بمستوى واسع ومميز من حصانة السكان، إذ لم يحدد العلماء بشكل قاطع أن العدوى السابقة تمنح بالفعل الحصانة، أو حتى إلى متى تستمر هذه الحصانة إذا كانت موجودة بالفعل، وبعض التقديرات الحكومية للحصانة هي استنتاجات نموذجية، تعتمد على طرق مشكوك فيها.

ويعتقد خبراء النمذجة المستقلون أن نسبة الإصابات في السويد قد وصلت إلى 4-7 % من السكان حتى الآن، وهذا لا يختلف كثيرًا عن تقديراتهم لفرنسا، وإيطاليا، وإسبانيا، والولايات المتحدة، والتي تقدر بـ 4-9 %.

وبالنسبة لمدينة ستوكهولم، وجدت دراستان للانتشار المصلي أجرتهما جامعات سويدية في، أبريل/ نيسان وأوائل مايو، أنه ما بين 7.5 و10% من الأشخاص الذين تم اختبارهم هناك لديهم أجسام مضادة للفيروس التاجي المستجد.

وأخيرًا، استنادًا إلى الوفيات المسجلة في مقاطعة ستوكهولم، والبالغة 1855، وتقدير معدل الوفيات في السويد والبالغ 0.6% من اجمالي الإصابات، تشير التقديرات إلى إصابة 12 أو 13 % من سكان منطقة ستوكهولم حتى الآن.

وبالنظر إلى أن تقديرات انتشار المناعة من المدن الأخرى التي تضررت بشدة تعد مساوية للسويد، حيث شهدت ووهان 10%، ولندن 10%، ومدريد 11%، يصعب تصديق تقديرات المسؤولين بوصول 40 -60 % من سكان ستوكهولم إلى الحصانة بحلول شهر يونيو/ حزيران.

وعلاوة على ذلك، فإن التقدم المحدود الذي أحرزته الدولة نحو مناعة أوسع نطاقًا، قد أتى بثمن خطير على صحة السكان المعرضين للخطر، بما في ذلك كبار السن والمهاجرين والأقليات.