الشريط الإعلامي

الصوم عن الكلام والصوم بالكلام

آخر تحديث: 2020-04-28، 07:39 am
توفيق قريرة


حين يستعمل لفظ الصوم فإنّه يعني انقطاعا عن الأكل والشراب بين وقتين معلومين، ولا أحد يبدر إلى ذهنه، أن يكون الصوم صوما عن الكلام أيضا. أن تصوم عن الكلام هو أن تنقطع عنه حين تحتاجه مثلما احتاجته السيدة العذراء، كي تدافع عن نفسها أمام قومها، وقد اتهموها أنّها جاءت شيئا فريّا

حركة التأويل التي تحفر في النصّ طولا وعرضا، لم تسكت عمّا بدا مشكلا بين أن تقول مريم للناس إنّي «نذرت للرحمن صوما فلن أكلّم اليوم إنسيّا»، والكيفية التي ستقولها بها وهي صائمة عن الحديث. قال ابن كثير «المراد بهذا القول الإشارة بذلك، لا أنّ المراد به القول اللفظي». أدخلت عبارة الصوم المفسّرين في جدل آخر كان منطلقه الاستغراب من استخدام عبارة بدت حكرا على الانقطاع عن الأكل والشرب في سياق الانقطاع عن الكلام، حتى ذهب البعض إلى اعتبار أنّ الصوم في الحقيقة هو صوم عن الكلام، وصوم عن الطعام والشراب، فقد روي عن أنس بن مالك أنه ذهب إلى أنّ صوما تعني صوما وصمتا». و ذهب آخرون إلى أنّهم «كانوا إذا صاموا في شريعتهم يحرّم عليهم الطعام والكلام» ( تفسير كثير)

يقال ذلك وينسى أنّ طالع الآية «فكلي واشربي وقرّي عينا». لسنا نريد أن نثير جدلا جديدا في علاقة الصيام بالكلام، لأنّ هذا لا يدخل في اهتمامنا، بل ما سنراه لاحقا فيه صلة بين الصوم والكلام من جهة ثانية

الصلة بين الصوم والكلام موجودة عند التعبير عن نيّة الصوم تقول مثلا: «نويت أن أصوم»، أو تقوله في الدّعاء المعروف «اللهم إنّي نويت أن أصوم رمضان إيمانا واحتسابا، فاغفر لي ما تقدّم من ذنبي وما تأخّر». النيّة مثلما يذهب إلى ذلك بعض الفقهاء «أساس الديانة». عادة ما ترتبط النية بالعمل، لكننا نراها ترتبط بالقول المعبّر عنها ارتباطها بالعمل.. وقد ذكرت هذه الأركان الثلاثة في باب العقود والمعاملات ذكرا صريحا، حين تساءل بعض الفقهاء المعاصرين «هل العبرة في العقود والتصرفات للمقاصد والمعاني أو للألفاظ والمباني؟» (محمد الزحيلي الفقه الإسلامي وأدلّته)

ما يعني اللساني لا يعني الفقيه، ما يعنيه أنْ يقول الصائم وهو يصوم، إنّي نويت أن أصومَ. يعنيه أن يحدّد المخاطب وقيمة التخاطب والوعي بدور اللغة في التصريح بالمنويّ. المخاطب الإلهي صريح في دعاء الصوم المذكور أعلاه؛ فبتنزيل التعبير عن النيّة في سياق عمل قولي هو الدّعاء يمكن أن تفهم أشياء كثيرة منها أنّ القول نفسه عملٌ يتوجّه به البشر إلى الذات الإلهيّة لتحقيق مكسب هو الغفران (اغفر لي ما تقدّم من ذنبي وما تأخر). بناء على ذلك يفهم الصوم على أنّه عبادة لها ذلك الهدف. لكنّ المفيد أنّ الربط بين العبادة (الصوم) وطلب المغفرة لا يتحقّق إلا بالقول: أنا أصوم، فإذن أنا أستحقّ هذه المغفرة. فالنيّة في علاقتها بالعبادة شيء، والتعبير عن تلك النيّة شيء آخر. حين تنوي أن تصوم وتخبر بالصيام بشرا، يعلمون أو لا يعلمون، فذلك شيء، وأن تخبر الله العليم بذلك يعني شيئا آخر

لنفترض أنّ فقيها ولسانيّا يسمعان معا الجملة التالية، يقولها صائم في شهر الصيام بين قوم يصومون (اللهم إنّي صائم). لا أعتقد أنّهما سيفهمان شيئا مختلفا، وهما يتعاملان مع هذه الجملة في سياق ومقام معيّنين

ليس في التعبير عن نيّة الصوم، تعبير عن النيّة خطّيا، بقدر ما فيها نيّة أخرى هي تحقيق مكسب، أي أنّك وانت تدعو ربك بنيّتك الصيام (نية1) أنت في الحقيقة تنوي أن تتقرب منه (نيّة2) وهنا ينبغي أن يحمل كلامك (الدعاء) على النية 2، لا على النية 1. النية 1 هي التي تبوّب ضمن ما لا يعلمه إلاّ الله، لكنّ النية 2 هي نيّة نعلمها جميعا من الخطاب، وعلينا أن نعلمها حتى تنجح خطّة التخاطب. هي نيّة يكفي أن تتكلم بوضوح حتى تفهم، وهي نيّة لم تجعل لتُكتم بل جعل الكلام ليُفصح عنها. سنسمّي هذه النيّة القصد

أعتقد أنّ بعض الناس يجمعون نية 1 ونية 2 تحت الخانة نفسها، والحقيقة أنّ الأمر مختلف. لنفترض أنّ هناك من يعيد توزيع القسمة بين القبيلين، سيعطي للفقهاء أن يبحثوا في نيّة الصائمين من خلال ما أضمروه في أنفسهم، وليس هذا بالضرورة من الغيبيّات، لأنّ الصائم مثلا يعرف أنّه أضمر في نفسه أن يصوم قبل أن يصوم، وأنّ من صلّى أضمر في نفسه قبل أن يصلّي أن يصلّي وكذا من حجّ. النيّة في هذا السياق تنظم العبادات، وتجعلها واعية وليست شيئا آليّا، يمكن أن تنجزه المكَنَة. هذا الضرب من النوايا يشبه نوايا القُضاة، حين يقسمون فعل القتل إلى ضربين بـ«سابق الإصرار والترصد» ( أي بوجود نيّة مسبقة: نية 1) أو بعدم وجود نيّة مسبقة، وهذا يخفف العقاب، ولا يخفّف القتل نفسه. نيّة الفقيه والقاضي تحتاج قرائن، والأقوال من بينها، ولكنّها ليست وحيدة. نيّة اللّغويّين لا وجود لها من غير أقوال، وأكاد أقول إنّ الأقوال هي حجّتها الوحيدة. حين نتحدّث يوميّا فنحن في سعي أبديّ أن ننجح حديثنا، ولا ينجح الحديث إلاّ إذا عرف المستمع نواياي وأنا أخاطبه بكلامي، ولن ينجح حين يصبح متكلما إلاّ حين أفهم مقاصده من الكلام، فما يسمّى بالإفصاح عن المراد بالكلام هو جوهر عملية التفاهم، ونجاح العمليّة التواصليّة: المتكلم يفصح، وأنا أفهم ولا يمكن أن يفصح هو إلاّ عندما أفهم مهما ظنّ أنّه بليغ مبين

لنفترض أنّ فقيها ولسانيّا يسمعان معا الجملة التالية، يقولها صائم في شهر الصيام بين قوم يصومون (اللهم إنّي صائم). لا أعتقد أنّهما سيفهمان شيئا مختلفا، وهما يتعاملان مع هذه الجملة في سياق ومقام معيّنين. سنأخذ سياقا افتراضيّا أنّ هذه الجملة يقولها الخبّاز، وقد تدافع الناس عليه في أيّام الكوفيد التاسع عشر، وهو غاضب من التدافع، فيقول اللهم إنّي صائم في سياق الإنذار بردّ الفعل غير المهذب لا سمح الله. لا أظنّ أنّ الفقيه سيفهم أنّ الخبَّاز يشهد الله على صيامه أمام خلقه. ولا نعتقد أنّ اللساني سيدّعي أنّه هو الوحيد الذي يفهم مقاصد الخباز. تأويل الكلام بربطه بالسياق هو شأن عامّ لجميع من حضر على الخباز في ذلك الوقت، سواء أكان لسانيّا أم فقيها أم عاميّا بلا اختصاص. يبدأ الاختلاف حين يشرع كلّ مختصّ في العمل على قول الخباز، من زاوية اختصاصه، كأن ينظر الفقيه في المفطرات أو في مضعفات الصوم، بما هو عبادة، أو في غيرها من مشاغل الفقه الدقيقة. يمكن أن يقول الفقيه للخبّاز وليس اللسانيّ- لقد أفطرت أو لقد أضعفت صومك.. لن تكون جملة (اللّهم إنّي صائم) في ذاتها تعبيرا عن نيّة الصوم. لكنّ اللسانيّ لا يعنيه أن يكون الخبّاز صائما أو غير صائم، سيظلّ في حدود المقاصد العامّة من الخطاب، ربَّما فكّر وهو يسمع هذه الجملة في مفاهيم يشتغل عليها في تحليل الخطاب، أو في التداوليّة تعينه على أن يشرح مفاهيمه في درس ما (وليس أمام الملأ في المخبزة طبعا) ما يسمّى بالاستراتيجية الاستدلاليّة، التي تحدّث عنها سيرل Searle أو الحوسبة التّأويليّة عند العرفانيّين