الشريط الإعلامي

الحاجة للكارثة!

آخر تحديث: 2020-04-27، 07:42 am
بروين حبيب

من بروكسل يلاحظ الفيلسوف البلجيكي فرانسوا دي سميت، أن فيروس كورونا أوقعنا في أزمة صحية جعلتنا نتجاوز ذاتيتنا، لكنه يضيف «ترى إلى متى سيستمر ذلك؟». ورد ذلك في سلسلة حوارات عالمية، للتفكير في «تحديات هذا الوباء، من خلال الجمع بين معارف وإبداعات المثقفين، والكتّاب والفنانين من جميع أنحاء العالم». يحدث ذلك بطرح أسئلة تتعلّق بالحبس الذاتي، والانعزال التام عن مختلف التجمعات الأيديولوجية والدينية، وحتى الثقافية على تنوعها كما يحدث، لأن مصير الفرد لم يعد في يده وحده، فقد يكون في يد شخص آخر لا يمت له بصلة، كما قد يكون جرّاء خطأ شخصي في التقديرات

لدراسة هذه المعطيات البسيطة، اضطرّ العالم لتشغيل أجهزة طبية بأكملها، مؤسسات إحصائية، قائمة على نظريات رياضية، سواء أحببنا الرياضيات أو لم نحبها، رسومات بيانية، علماء في البيولوجيا وعلوم الأحياء تناقضت آراؤهم حدّ الخرافة، كل ذلك حدث في صمت مطبق لمحركات المصانع، التي كانت تنفث سمومها في الهواء وترفع من نسبة المخاطر التي تهدد الإنسان، بدون أن يشعر بذلك

الفيلسوف السياسي رئيس حزب «تحدي» يقدّم قراءته الخاصة لكل ما يحدث، ويخلص لنتيجة عظيمة، وهي أن الإنسان لأول مرة في حياتنا المعاصرة، يقبل بكل القيود التي تقلّص حريته من أجل أن يعيش. ثمة سؤال خطير ينبثق من هذه الفرضية: هل يمكننا أن نعيد النظر اليوم في مفاهيم كثيرة، منها مفهوم الحرية؟ حق الإنسان في العيش؟ الخيار الصعب بين الركود الاقتصادي أو إنقاذ الأرواح؟ ثم هذه الحرب التي فرضت على العالم كله، ألم تُعِد إلى الأذهان فكرة الحياة في الغاب والبقاء للأقوى؟

أما المشكلة الحقيقية المطروحة مع كل هذه المعطيات، فهي حتما حاجتنا للكارثة، لرؤية أحجامنا بدون تضخيم، أو تقزيم وسط المشهد الكامل للإنسانية

نعرف جيدا اليوم أن الإنسان بقدر سعادته بالحياة، بقدر إدراكه لحجم الأخطار التي تتهدّده، ليس فقط من بني سلالته، بل من سلالات لا حصر لها تشاركه الحياة في فضائه المكاني، وقد تكون من بينها سلالات متناهية في الصِغر تفاجئه مثل الأشباح حتى في أكثر مخابئه حصانة. إن أطروحة دي سميث، وفلاسفة آخرون يمضون معه في الطّرح نفسه، ينبّهون إلى أن الكارثة كانت دوما دعامة للتقدّم البشري، ففي كل مرة تُدخِل الإنسان في تحدٍّ مع نفسه، بعد أن يتعوّد على حالة من الاستقرار والركود وصفها الكاتب ألكسندر دوماس بحالة النسيان، للخروج بابتكارات جديدة تطوّر ليس فقط في طرق بقائه حيا، بل في تطوّره أيضا

في سلسلة الحوارات نفسها يدلي الكاتب المنفي إلى نيويورك منذ سنة ونصف السنة، المصري علاء الأسواني بأطروحته من مكان حجره الصحي في مارسيليا، بعد إلغاء برامجه المقررة في جامعة مارسيليا، واستغلاله الفرصة لتفرّغه للكتابة، يخبرنا «أن الكاتب لا يخاف من العزلة» لهذا هو سعيد، لأنه كتب أول عشرين صفحة من روايته الجديدة، لأن أصعب ما قد يواجهه الكاتب هو تمكنه من بداية نصه، هو الذي يبحث دوما عن العزلة من أجل الكتابة، يجد الأمر مبهرا في جامعة فارغة، إلا من عدد قليل من الأساتذة، الذين جاؤوا لإلقاء محاضرات، وأجبرهم الحجر على البقاء مثله، يقول «إنّه مكان ملهم، إذ من السهل جدا تخيل قصة حب تنشأ بين شخصين، في زمن الحجر الصحي»، ثم يصف الكارثة بأنها المؤثر الوحيد الذي يجعل البشر يتصرفون بالطريقة نفسها، سواء كانوا في مصر أو فرنسا أو أمريكا، فقط هناك فروق متعلّقة بالأنظمة، ففي بلد مثل مصر، يصعب أن تفرض الدولة حظر تجول كاملا، كونها تعرف أن عددا كبيرا جدا من المواطنين يحصل على قوته ومدخوله من عمله اليومي، وهو بذلك لا يعنيها من حيث تأمين حاجاته، ولا من حيث بقاؤه حيا

كارثة الوباء وما تبعها من محنٍ، جرّدتنا من بريق أثوابنا، حتى أصبحت كل عيوبنا ظاهرة للعيان، سواء في الصين أو في أمريكا أو في أوروبا أو في عالمنا العربي بكل تناقضاته

من هذا المنطلق تختلف تماما قواعد التخلّي عن الحرية، من أجل حماية النفس، إذ تتغيّر المفاهيم بسرعة في انتقالنا من الشرق إلى الغرب، فكل البلدان ذات أنظمة التأمين الصحي الجيدة، وتعويضات التكفٌّل بالمواطن بإمكانها أن تفرض قوانين صارمة وقيودا تجرّده من كل حريته ليبقى حيا، فيما يختلف الأمر في بلدان أخرى، حيث من المستحيل أن يستجيب المواطن سوى لنداء حاجاته، وهو يفهم التراخي الذي يمارسه النظام تجاهه حين يتعلّق الأمر بحياته، لهذا يجد فرصة ليتمرّد عليه، ولو بشكل مؤقت، لمواساة نفسه لا غير

في هذا الباب قد نتبنى رؤية الفيلسوف الأمريكي جاك ستيتر، الذي يقترح مفهوم سبينوزا للحرية، لندرك بالضبط، أن حريتنا لا تعني أن نحقق كل ما نشتهيه، بل أن يكون سلوكنا عقلانيا، وهذا ما أوقع أجهزة طبية كاملة في أكثر البلدان تقدما بأنظمتها الصحية المتطورة في فخ عظيم، ودفع بها لاتخاذ تدابير أنهت بشكل ما حياة البعض من أجل بقاء البعض الآخر، وبالمقابل هذا ما جعل العقل يعمل لدى الفئات الرّافضة للعزل، بحيث أصبح قرارها نابعا من ذاتها. لنعد للحالة الراهنة للوباء، هل أجبرتنا الكارثة لنكون أحرارا؟ لا أدري إن كان يحق لي أن أقول إننا أمام «حرية عقلانية» لا أمام «حرية غرائزية»، وإن هذا النوع من الحرية يتكفّل اليوم ولفترة غير معلومة، بتسيير أمور حياتنا، التي قد تصل لحافّة المخاطر، لكن هناك ما يحفِّزنا لتفاديها بطريقة أو بأخرى

أخبرني صديق مؤخرا أنه توقف عن التدخين، بدون تدرُّج في ذلك، فقط جاء القرار قويا من داخله، فرمى بعلبة السجائر في سلة المهملات إلى الأبد، وقد بدا له الأمر برمته عجيبا، إذ أنّه قبل ظهور فيروس كورونا حاول مرات كثيرة التّوقُّف ولم يفلح، إلاّ أن خطورة كورونا جعلته يتّخذ القرار بحزم أكبر، إذ لأول مرة بدت له احتمالات النجاة من الفيروس ضئيلة، إذا ما أصيب به وهو لا يزال مدخنا. يقول «لقد تحرّرت من سلطة السجائر أخيرا»! هذا الشعور بالحرية وإن قابله شعور بالغبن بالنسبة لشخص آخر لم يحتمل العزل، فدخّن مزيدا من السّجائر، أو تناول حبوبا مهدئة، أو كسر الحجر وخرج خلسة ليزور أصدقاء له، فإنّه يكشف عن ضعف ما، فالأولوية في حياتنا ليست أن ندخن سيجارة إضافية، أو نرى أصدقاء تعودنا على رؤيتهم كل يوم، لقد وضعنا الوباء في مواجهة الأولويات، فإمّا أن نعيش أو نموت، وإمّا أن نحمي أنفسنا ومن نحب، أو نعرّض أنفسنا ومعنا من نحب للخطر، ثم ننتهي أمام حقيقة لا جدال فيها، فإمّا أن نكون أو لا نكون!

الصراحة أن كارثة الوباء وما تبعها من محنٍ، جرّدتنا من بريق أثوابنا، حتى أصبحت كل عيوبنا ظاهرة للعيان، سواء في الصين أو في أمريكا أو في أوروبا أو في عالمنا العربي بكل تناقضاته. لقد اكتشفنا لا عدالة أنظمة كنا نعتقد أنها عادلة، كما تبين لنا أن العزلة والبقاء في البيت رفاهية لا تتحقق للجميع، هناك من أُجبر على البقاء في الصفوف الأولى ملامسا الخطر بكامل جسده، بدون أي خيارات أخرى، وهناك من اتضح أنّه لا يملك بيتا في الأساس للاحتماء به من خطر الجائحة. عرفنا متأخرين أيضا أن الحركات النسائية كانت على حق في أمور كثيرة، وقد خرجت منتصرة بأفكارها، لقد أحرج الفيروس الذكوريين في «غرورهم» وكسر أنوفهم في أقسى لحظات الكارثة. بقي أن ننظر إلى كل هذه الأنظمة التي تفننت في استهلاك الإنسان من طاقاته لبناء صروح وهمية لحمايته، وهي تنهار وسط دهشة البشرية جمعاء، في انتظار ولادة أنظمة أخرى تقوم على الرعاية لتحقيق الإنتاج، لا على العكس