الشريط الإعلامي

«كوفيد 19»… تأملات «سينمائية»

آخر تحديث: 2020-03-25، 12:41 am
بسام البدارين

«كوفيد 19»… اسم يشبة أفلام السينما الأمريكية ويصلح أن يكون اسما لمتنزه وحديقة ديناصورات مثلا.
الاسم مثل أشياء كثيرة في الحياة والعالم اليوم خدّاع ومضلل ولا أحد يمكنه أن يتخيل ليس ما فعله هذا الأسم وحامله في الدول جميعها فقط اليوم وما يفعله بل ما سيفعله أيضا في مستقبل الاقتصاد الكوني.
أغلب التقدير أن فيروس كورونا يؤرخ لمرحلة جديدة في التاريخ السياسي والاقتصادي وما سمعته شخصيا من خبراء اقتصاد على الأقل يشير إلى تداعيات لا يمكن حصرها في الضحايا من المصابين أو الموتى ولا تقف عند الكلفة المالية بل تتعدى باتجاه تبديل وتغيير الكثير من الملامح في الإدارة والمشاريع وقيمة النقد لا بل في العلاقات بين البشر أيضا.
ما أحاول تأمله في عجز العالم اليوم أمام فيروس شرس وغامض يعيد ذاكرتي لعشاء صدفة العام الماضي مع أستاذ جامعي يعمل على مشاريع غريبة في جامعات بين سنغافورة وأبو ظبي.
سمعت آنذاك كلاما غريبا ومثيرا من الخبير العالم عن انتهاء عصر الورق النقدي واندثار ساحق لملايين الوظائف التي نعرفها اليوم وصمود «10 وظائف» فقط تم ذكرها لنا بالتفصيل.
سمعت أيضا عن طموحات في مجال الاستخبارات العلمية لتطوير الأمراض وتطوير علاجها.
وسمعت كلاما عن توقف الطيران وتخفيضه إلى حد غير مسبوق على المستوى التجاري وعن «ثورات» في الصناعة والانتاج والتعليم الحديث والاتصال لا تحتاج إلى «كادر بشري».
أغرب ما قيل لي وقتها عن تصورات حقيقية تدرس الآن للنقل والتنقل بالمحاكاة وبدون الاضطرار للحركة وتوفير إمكانية عبر المحاكاة فقط للصناعة والإنتاج واضطرار البشر للبقاء في مواقعهم وأماكنهم وضعف الحاجة والمبرر للسفر أما بسبب التعليم أو المتعة أو العمل.
محدثنا وقتها أصر على أن ما يتحدث عنه ليس مجرد مقترحات على الورق بل تحولات مهمة جدا في شبكات عملاقة معنية بالتجسس العلمي وباستخبارات العلم والطب وصناعة الأدوية.
وقال ضيفنا إن مليارات تخصصها بعض الدول الغنية والطموحة لدعم مشاريع البحث في هذا السياق وهي برمتها مشاريع تقلص من قيمة الإنسان وتجعله تدريجيا «عبدا للحداثة» وأحيانا للرقم وللماكينة.
طبعا لا يمكنني تاكيد أو نفي أو حتى مناقشة أي من مثل هذه الأفكار عندما تصدر عن مفكرين ومخترعين وخبراء كان واضحا أن ضيفنا من الصنف المختص منهم الذي يهرف بما يعرف بكل تواضع وبعيدا عن الخطابة والتسييس والاستعراض.

وهذه مناسبة طبعا للنقاش العام ولأن نتحدث مع الخبراء جدا علهم يقولون لنا كيف سيكون العالم بعد عقد من الآن لأن أول انطباع يشعر به المراقب بعد موجة فيروس كورونا الشرهه حاليا هو أن العالم سيختلف وقد لا يعود قريبا كما عهدناه وإن كان يختلف أصلا قبل الفيروس مما يعني أن الوتيرة قد تتسارع.
استذكر في تأملاتي الذاتية لفيروس كورونا وتداعياته مثل هذا النقاش فهذا الفيروس وطريقة الدول في العجز بمواجهته وآلية فرضه لإيقاعه بسرعة خاطفة ومميتة وبصورة أفقية في القارات الخمس مثيرة ليس للرعب فقط ولا للتأمل في الإيمانيات أيضا وحسب، بل للتعمق والاستنباط والعودة للحلقات الأولى في التفكير الإنساني، وضرورة التذكير بأن الصراع بين البشر والدول مهما كانت أسبابه لا مبرر له. فأي منجزات للدول الكبرى في سياق أنظمة الرفاهية يمكن أن تسقط في مواجهة فيروس غامض بث الرعب في أوصال العالم.
المرعب أكثر هنا أن دولتين كبيرتين تتبادلان الاتهام الآن مرة باسم «الفيروس الأمريكي» وأخرى باسم شقيقه الصيني، وشخصيا أميل للاعتقاد بأن الطرفين يحاولان «تسييس» معاناة الإنسان اليوم والاستثمار فيها على نحو مخجل بدلا من الجلوس معا على أساس حسابات «خسارة الجميع»، لأن الحبل على الغارب والفيروس بدأ في الصين صحيح لكنه اليوم يلتهم مدنا أمريكية برمتها ويقف النظام الصحي الأمريكي المصنف الأول في العالم عاجزا أمامه مثل العجز الصيني ومعه الاسباني والايطالي.
والمقلق أن لغة الخطاب الأمريكية في بعض الملفات مثل الشرق الأوسط وأفغانستان والقضية الفلسطينية والعراق والملف الإيراني هي نفسها وكأن كورونا اللعين لا يطرق كل أبواب الخطر وكل أبواب الخزّان، وكأنه عرس عند الجيران رغم أنه، كما يبدو عليه المشهد، يلتهم أفقيا والأخضر واليابس وبكل الاتجاهات.
إيقاع الموسيقى التي يعزفها الشعب الايطالي العريق من الشرفات نكاية بالفيروس ضرب على أوتار التمسك بالحياة ورسالة ضد القوى الغاشمة الطاغية التي لا تهتم بالحياة بقدر ما تهتم بانتهازيتها في استغلال الأزمة سياسيا وتجاريا.
ثمة تجارب لدول صغيرة بإمكانات محدودة للغاية تناضل وبشراسه بالإيمان في المعركة مع الفيروس.
ثمة دول صغيرة تتضامن قيادتها مع شعوبها بطريقة لابد من احترامها، وثمة ممرضون ورجال أمن وعسكر وأطباء وأشخاص يسهرون ويخوضون المعركة نيابة عن الجميع فلهم الاحترام والتقدير والمحبة والامتنان بصرف النظر عن المكان الذي يناضلون فيه أو ما يفعلونه في مواجهة الفيروس الشرير.

إعلامي أردني