الشريط الإعلامي

هل يرضخ بوتين لإنذار اردوغان

آخر تحديث: 2020-02-06، 05:16 pm
عبد الباري عطوان
اخبار البلد
 
مهل الرئيس رجب طيب اردوغان الحكومة السورية حتى نهاية شهر شباط (فبراير) الحالي لسحب قواتها من محيط نقاط المراقبة التي اقامتها انقرة في شمال غرب سورية، فجاء الرد ميدانيا وسريعا باستمرار تقدم قوات الجيش العربي السوري في ريف ادلب الجنوبي الشرقي، وسيطرتها على 20 بلدة وقرية خلال 24 ساعة، ووصولها الى اطراف مدينة سراقب الاستراتيجية التي تحاصرها من ثلاث جهات، حسب تقرير للمرصد السوري لحقوق الانسان الموالي للمعارضة

يبدوا ان الرئيس اردوغان ينسى، ان منطقة ادلب التي تسيطر عليها هيئة تحرير الشام (النصرة) المصنفة على قوائم الارهاب، هي ارض سورية، وليست أراضي تركية، وان من حق الجيش العربي السوري استعادتها الى سيادة الدولة، تماما مثلما هو حق الجيش التركي في التصدي لقوات المعارضة الكردية الانفصالية، ومنعها من تحقيق مخططاتها في زعزعة استقرار البلاد

مصدر عسكري سوري اكد اليوم في بيان رسمي ان وجود القوات التركية على الأرض السورية غير قانوني، ويشكل عملا عدوانيا صارخا، وان القوات السورية المسلحة على اتم الاستعداد للرد الفوري على أي اعتداء لهذه القوات

الرئيس اردوغان يقول انه ابلغ الرئيس فلاديمير بوتين ان بلاده سترد بأكبر قدر ممكن من الحزم في حال تعرضت قواتها لهجوم جديد من قبل الجيش السوري ، اثناء اتصال هاتفي معه، ولكنه لم يقل كيف كان رد الرئيس الروسي على هذا التهديد، ومن المرجح ان يكون رافضا لمثل هذه التهديدات، فروسيا هي التي أعطت الضوء الأخضر للجيش العربي السوري لبدء الهجوم

***

الرئيس بوتين صبر اكثر من 18 شهرا على نظيره التركي، الذي تعهد بتنفيذ اتفاق سوتشي الموقع في أيلول (سبتمبر) عام 2018، ومن ابرز نصوصه الفصل بين الجماعات الإرهابية الأخرى غير الإرهابية، وعودة مدينة ادلب الى السيادة السورية، ولكن الرئيس اردوغان لم يلتزم بالاتفاق وينفذ تعهداته المذكورة آنفا، واستمر في المماطلة في محاولة لكسب الوقت

الجانبان الروسي والسوري التزما بالاتفاق، بما في ذلك السماح بإقامة 12 نقطة مراقبة عسكرية تركية في ادلب وريفها، والاهم من ذلك ان الروس بددوا كل مخاوف الرئيس اردوغان على امنه القومي عندما ابعدوا الجماعات الكردية المسلحة عن الحدود التركية الجنوبية، ولكن الجانب التركي لم يلتزم من جانبه بتعهداته، وشنت قوات تابعة لهيئة تحرير الشام هجمات بالطائرات المسيرة على قاعدة حميميم الجوية الروسية قرب اللاذقية، الامر الذي اثار غضب القيادة الروسية

مشكلة الرئيس اردوغان الحالية المتفاقمة هي مع روسيا، اكثر مما هي مع القيادة السورية، وزاد منها تعقيدا عندما رد على اتهامه لروسيا بعدم وقف الهجوم السوري على ادلب وريفها بالذهاب الى أوكرانيا ولقاء رئيسها، وبيع صفقة طائرات مسيرة لقواتها المسلحة بحوالي 200 مليون ليرة تركية، وايد عودة إقليم القرم التي ضمتها روسيا للسيادة الاوكرانية هاتفا بأعلى صوته بـ المجد لاوكرانيا وهو الهتاف الذي يجسد قمة العداء لروسيا، في نكاية واستفزاز صريح للحلفاء الروس، يعتقد الكثير من المراقبين انه استفزاز متسرع وفي التوقيت الخطأ، سيصعد التوتر مع روسيا، ويعطي نتائج سلبية في نهاية المطاف

من الواضح ان الرئيس اردوغان، بتصعيد الخلاف مع روسيا، يحاول اللعب على ورقة التناقضات بينها وبين الولايات المتحدة، وهذا ما يفسر مسارعة مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي الى دعم الموقف التركي في ادلب، ولكن إدارة ترامب لن تكون حليفه للرئيس اردوغان، وتريد اضعافه لا نصرته، ودق اسفين الخلاف بينه وبين حليفه الروسي الجديد الذي زوده بمنظومات صواريخ اس 400 وهرع لنجدته عندما انهار الاقتصاد التركي بفعل الحصار الأمريكي، وتزايد التفجيرات الإرهابية في المناطق السياحية التركية، لحرمان تركيا امن دخل سياحي يصل الى 35 مليار دولار سنويا

الرئيس اردوغان يقول ان قواته المتواجدة في سورية، او تلك التي يهدد بإرسالها لمنع سيطرة الجيش العربي السوري على مدينة ادلب تأتي في اطار اتفاق اضنة عام 1998 الذي يبيح لها التواجد على الأراضي السورية، ولكنه ينسى، ويبدو انه كثير النسيان هذه الأيام، انه انتهك هذه الاتفاقية عام 2011 عندما دعم قوات المعارضة المسلحة، وسهل مرور عشرات الآلاف من المقالتين عبر الأراضي التركية، وتعهد في اكثر من خطاب وتصريح بإسقاط النظام السوري ، شريكه في هذا الاتفاق

الرئيس بوتين عرض على الرئيس اردوغان اكثر من مرة احياء اتفاق اضنة الذي يحمي مصالح الجانبين التركي والسوري، وامنهما القومي، وأول نصوصه عدم السماح للجماعات الإرهابية، او دعمها لزعزعة استقرار البلدين، ولكن الرئيس اردوغان هو ومن رفض هذا العرض الروسي

لا نعرف كيف سيتطور الخلاف الروسي التركي، ولكن ما نعرفه ان الرئيس بوتين الذي يقف خلف هذا الهجوم الذي يشنه الجيش العربي السوري ويدعمه لاستعادة ادلب وريفها، كما ان سلاح الجو الروسي الذي يوفر له الغطاء ويسيطر على الاجواء السورية بالكامل، مما يعني انه سيتصدى لاي غارات جوية تركية لضرب القوات السورية المتقدمة

نتائج تفاقم هذا الخلاف سيؤدي الى انعكاسات خطيرة على مصالح تركيا، خاصة بعد تجاوز الرئيس اردوغان لكل الخطوط الحمر بزيارته لاوكرانيا، واغضاب معظم دول حوض البحر المتوسط بإرسال اكثر من 4700 مقاتل بعظهم ينتمي الى حركات وفصائل إسلامية متشددة للقتال في ليبيا، ونجح حوالي 1000 منهم في الهجرة الى أوروبا، حسب تقارير وكالة اسوشيتد برس العالمية، فحجم التبادل التجاري بين تركيا وروسيا يقترب من 70 مليار دولار سنويا، وهناك خمسة ملايين سائح روسي يزورن المنتجعات التركية كل عام، علاوة على خط انابيب غاز السيل التركي الروسي الذي جرى افتتاحه أخيرا ويسد 55 بالمئة من احتياجات تركيا من الغاز

***

احياء اتفاق اضنة هو المخرج الوحيد للجانبين السوري والتركي من هذه الازمة، وتجنيب الرئيس اردوغان الكثير من المشاكل والأزمات، خاصة ان السوريين رحبوا بالعرض الروسي في هذا الاطار، ولكن احياء هذا الاتفاق يتطلب لقاءات تركية سورية على كافة المستويات، والقمة خاصة، وهو ما يتهرب منه الرئيس التركي حتى الآن، وما هو مطلوب من الرئيس اردوغان تقديم مصالح تركيا الاستراتيجية على مشاعره الشخصية تجاه الرئيس السوري بشا الأسد وحكومته، والإبقاء على علاقاته التحالفية مع روسيا، واي خيار آخر يعني المزيد من الخسائر، وانتقال الحرب في سورية من حرب بالإنابة الى حرب مباشرة لن تكون نتائجها في مصلحة تركيا، ناهيك عن مصلحة الحزب الحاكم واردوغان شخصيا، اما سورية فليس لديها الكثير ما يمكن ان تخسره ولا يجب اغفال الدعم الروسي الإيراني لها، ووقوف مصر ودول خليجية الوشيك في خندقها.. والله اعلم