الشريط الإعلامي

(تهويشات الانتخابات الإسرائيلية سحابة لا أكثر)

آخر تحديث: 2020-01-23، 07:53 am
عماد شقور
اخبار البلد-

كثيرون جدا نقلوا عن وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، هنري كيسنجر، في معرض شكواه ونقده لسياسات حكومة غولدا مئير، قبل وخلال وبعد حرب اكتوبر/تشرين الاول 1973، قوله إن لا سياسة خارجية لإسرائيل مطلقا، حيث أن لها سياسة داخلية/حزبية (وتنافس وصراع أحزاب)، تنعكس على كل تصرفاتها وممارساتها مع الأطراف الخارجية، ثم تسمّي هذا وتعتبره سياستها الخارجية

ملاحظة كيسنجر هذه دقيقة تماما، يعرفها ويلمسها كل متابع للأحداث والتطورات في إسرائيل، ولكنها تصبح فاقعة الوضوح في موسم كل انتخابات برلمانية فيها. اما في هذه الايام والاسابيع، التي طال فيها «موسم الانتخابات» واستطال، حتى يغطّي سنة كاملة في مسلسل انتخابات لا ينتهي، فان المماحكات بين الأحزاب المتنافسة بلغت حدا غير مسبوق في دمج كل ما له علاقة بالسياسة الخارجية لإسرائيل، بقضايا هذه المماحكات الحزبية: من العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية، والى العلاقات السرية والعلنية مع هذا النظام العربي او ذاك، مرورا بالعلاقات مع دول عظمى ودول محورية في العالم، من روسيا الى الصين، ومن الهند الى بعض من دول اوروبا وأمريكا اللاتينية وغيرها

كل السياسات الخارجية لكل واحدة من دول العالم، تتأثر بمجمل الاوضاع فيها وبسياساتها الداخلية، وبميول الفئات المختلفة في مجتمعها، لكنها لا تشكل بديلا عن سياسة خارجية واضحة لهذه الدولة او تلك، على غرار ما هو حاصل في إسرائيل

في معركة الانتخابات الإسرائيلية الحالية، (الثالثة خلال اقل من سنة واحدة)، بلغ الخلط بين ما هو «كلام انتخابات» وما هو سياسة خارجية استراتيجية معتمدة الى مستويات لم يصلها من قبل

على أن أكثر ما يهمنا في هذا المجال، وفي ما وصلت اليه حالة الاستقطاب الحادة في إسرائيل، هو تحويل موضوع اراضي المنطقة ج في الضفة الغربية، في غور الأردن وصولاً الى منطقة عين جِدِي عند منتصف الضفة الغربية للبحر الميت، الى ورقة مماحكة بين كتلة اليمين الكبرى في إسرائيل، حركة الليكود، وكتلة الوسط، (بالمقاييس الإسرائيلية طبعاً)، كحول لفان، بل الى ورقة مقايضة بينهما، حيث سربت اوساط قريبة من رئيس الحكومة الإسرائيلية، زعيم الليكود، بنيامين نتنياهو، خبرا مفاده ان نتنياهو «مستعد للتخلي عن طلب الحصانة من الكنيست (البرلمان الإسرائيلي، مقابل أن ينضم له بيني غانتس، رئيس كتلة «ازرق ابيض» في مسعاه لاستصدار قرار من الكنيست، يوم الثلاثاء المقبل، بوضع منطقة غور الأردن تحت السيادة الإسرائيلية»

ثم الحق نتنياهو بهذا التسريب تغريدة له على التويتر، مساء امس الاول، موجهة الى غانتس، يقول فيها: «بيني غانتس، أنا سعيد لأنك قررت أخيرا دعم مبادرتي لفرض القانون الإسرائيلي على غور الأردن وشمال البحر الميت. أتوقع دعما كاملا منك ومن «أزرق أبيض» لهذه الخطوة التاريخية. قريبا جدا أضعك في هذا الاختبار

واضح ان نتنياهو، في مسعاه المحموم للاحتماء بالحصانة البرلمانية من تقديمه للمحاكمة بثلاث قضايا تتعلق بالرشوة وسوء الائتمان، يستخدم كل اسلحته، ويجند في سبيل ذلك العلاقات المميزة التي تربط إسرائيل بأمريكا، مستعينا بالتناغم الكامل بينه وبين الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، ويتماشى في ذلك مع اقصى اليمين المتطرف العنصري في المجتمع اليهودي في إسرائيل

سلاح الفلسطينيين، هو التصدي لهذه الحملة المحمومة من الهجمة العنصرية الإسرائيلية، بالثبات وعدم الاستسلام لليأس، وبكل سلاح ممكن ومشروع، ورأس الحربة في هذه المعركة، هو ثبات وتصدي الفلسطينيين في إسرائيل، وتعاملهم مع بطاقة الهوية الإسرائيلية في ايديهم، في الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية المقبلة، على أنها سلاح وطني

نجح نتنياهو بمبادرته هذه، الخاصة برفع شعار العمل على ضم أراضي غور الأردن الى أراضىي الاحتلال الاولى 1948، في جر غانتس الى مستنقع اليمين العنصري الإسرائيلي، الذي يتقن السباحة فيه، حيث وقع غانتس في مصيدته، واعلن خلال جولة له في منطقة غور الأردن، يوم الثلاثاء الماضي: «سنعمل على ضم غور الأردن إلى إسرائيل بعد انتخابات الكنيست، التي ستجري في 2 آذار/مارس المقبل، وإلى ذلك الحين فإننا سنهتم بتطوير هذه المنطقة، حيث أننا ننظر إلى هذه المنطقة على أنها جزء لا يتجزأ من أرض إسرائيل»

كتلة «كحول لفان»، (ازرق ابيض)، تتألف من ثلاثة أحزاب:

ـ «حوسِن ليسرائيل»، أي «مناعة إسرائيل»، بزعامة بيني غانتس

ـ «ييش عتيد»، أي»هناك مستقبل»، بزعامة يائير لبيد

ـ «تيلم»، وهي الاحرف الاولى لما معناه «الحركة الوطنية لرجال الدولة»، بزعامة موشي (بوغي) يعالون

وانضم للكتلة، بعد ان اشترط توحدها، غابي اشكنازي، رئيس اركان الجيش الإسرائيلي الاسبق

هذه الكتلة الانتخابية، يكاد لا يجمع بين اطرافها إلا رفض استمرار نتنياهو رئيسا للحكومة الإسرائيلية. ففي حين ان حزب ييش عتيد يصنف حزبا ليبراليا، فان حزب يعالون يصنف يمينا متشددا، ويبقى رئيسا الاركان الاسبقان بيني غانتس وغابي اشكنازي، في نقطة ما بين محوري لبيد ويعالون

هذه «الخلطة» الحزبية، ينظر اليها المتابعون للوضع الداخلي والحزبي الإسرائيلي، على انها جسم سياسي موحد بصورة مؤقتة فقط، وانها ستعود الى مكوناتها الاصلية عند أول مفصل سياسي حقيقي

حتى في هذه المرحلة، وعلى ابواب بدء معركة الانتخابات الثالثة في إسرائيل، وحول موضوع الدعوة الى فرض السيادة الإسرائيلية على جزء اساسي من اراضي الدولة الفلسطينية، وهو منطقة الاغوار، بدأ الاختلاف واضحا بين موقفي لبيد ويعالون، إذ في الوقت الذي يدعو فيه يعالون بصراحة الى «ضم غور الأردن والكتل الاستيطانية في الضفة الغربية الى السيادة الإسرائيلية، بقرار من جانب واحد»، يصرح لبيد بضرورة ان يتم ذلك بالتوافق، و.. «بغطاء وتنسيق دولي»

اقف بعد كل هذا الاستعراض لواحدة من سماجات السياسة الإسرائيلية الداخلية، وانعكاساتها على سياستها الخارجية، وبما لها من انعكاسات على شعبنا الفلسطيني، وارضنا الفلسطينية، ومجمل القضية الفلسطينية، لأقول:

عندما حاصرت قوات بني امية، بقيادة الحجاج بن يوسف الثقفي، عبدالله بن الزبير في الكعبة بمكّة، وقصفته بالمنجنيق، وتخلّى عنه جنده ورفاقه، ذهب يستشير أُمَّه، خائفا من صلبِه والتمثيل بجثته بعد قتله، فقالت له أُمَّه: «يا بُنَي! لا يُضير الشّاة سلخُها بعد ذبحِها». وبعد ايام من قتل الحجاج لابن الزبير وصلبه، ذهبت امه الى الحجاج، (كما تقول الروايات)، وقالت له: «يا حجّاج.. أما آن لهذا الفارس ان يترجّل». وراحت مقولتا اسماء، والدة عبدالله بن الزبير، لتصبحا من الحِكم التي ينتفع بها الناس ويتعلمون منها. فماذا نقول ونحن نرى ونشاهد ونلمس على جلودنا وارواحنا كل هذا الظلم والتنكيل الإسرائيلي؟

لكن. انتصار إسرائيل في الغالبية الأعم، وشبه المطلقة، في جميع ما وقع من معارك خاضتها الحركة الصهيونية، مدعومة من الغرب بشكل كامل ومتواصل، ومن الشرق في غالب المرات، لم تنته الحرب المستمرة، ولم يرفع الشعب الفلسطيني العلم الأبيض، ولم يستسلم، ولن يستسلم

لن يتمكن الفلسطينيون من هزيمة إسرائيل، لا في الحاضر ولا في المستقبل المنظور. لكن إسرائيل (كدولة وكيان سياسي) شيء، والإسرائيليون، والمجتمع الإسرائيلي شيء آخر

قد ينعم الجنرال الإسرائيلي بتحقيق انتصاره على عدوه/ضحيته الفلسطيني، لكن زوجة الجنرال وابنه وعائلته لن ينعموا بالراحة والطمأنينة ما لم يحقق الشعب الفلسطيني شيئاً من أهدافه وحقوقه الوطنية المشروعة، على طريق تحقيق كل اهدافه وكل حقوقه الوطنية المشروعة

سلاح الفلسطينيين في هذه المعركة، هو التصدي لهذه الحملة المحمومة من الهجمة العنصرية الإسرائيلية، بالثبات وعدم الاستسلام لليأس، وبكل سلاح ممكن ومشروع، ورأس الحربة في هذه الجولة/المعركة، هو ثبات وتصدي الفلسطينيين في إسرائيل، وتعاملهم مع بطاقة الهوية الإسرائيلية في ايديهم، في الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية المقبلة بشكل خاص، على أنها سلاح وطني