من الجيد أن يلتفت النواب أخيراً إلى خطورة اتفاقية الغاز على الأمن الوطني بأكمله، وبأنها اتفاقية يجمع الأردنيون على رفضها، ويعملون على إسقاطها بكل ما فيهم من قوة.
لكن أن ينادي نائب خلال الجلسات النيابية بالقول: "يا أيها الشعب، قفوا مع النواب في رفض اتفاقية الغاز المرفوضة من الجميع”، فهذا هو التزوير بعينه، ومحاولة قلب الحقائق.
منذ الإعلان عن توقيع اتفاقية الغاز المسروق، وهو الإعلان الذي جاء من الجانب الاسرائيلي أصلا، عبّر الأردنيون عن رفضهم لها، وخرجوا إلى الشوارع متظاهرين مرات عديدة، ودشنوا صفحات مقاومة الاتفاقية على وسائل التواصل الاجتماعي، وأنشأوا المجموعات، وسيروا المسيرات الرافضة، كل ذلك من أجل أن يلفتوا انتباه الحكومة والنواب إلى خطر مثل هذه الاتفاقية المجحفة بحق الأردن والأجيال المقبلة.
للأسف الشديد، كل الصوت العالي والغضب من قبل الشارع الأردني، لم يحركا الحكومة نحو إعادة تقييم هذه الاتفاقية ومدى المصلحة الوطنية في السير بمراحل إتمامها وتطبيقها، وأيضاً لم يحركا مجلس النواب الذي أقر موازنتين على الأقل تشتملان على مخصصات لاستملاكات الأراضي التي يمر بها أنبوب الغاز، إضافة إلى كلف التمديد.
كل هذا لم يجعل نوابنا الأكارم يتوقفون ولو قليلاً ليعبروا عن انحيازهم للمصلحة الوطنية ولصوت الشارع الذي كان واضحاً في رفضه المطلق لهذه الاتفاقية المذلة التي تجلب الرفاه لـ”شعب إسرائيل” بحسب تصريح رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو يوم تدفق الغاز عبر الأنابيب باتجاه الأردن، بينما لا تجلب لنا سوى رهن مستقبلنا بيد العدو!
نحن هنا لا نتحدث عن نواب فرادى عبروا عن رفضهم لهذه الاتفاقية، فقد كان على الدوام هناك نواب رفضوها، وانحازوا إلى حسهم الوطني وإلى نبض الشارع، لكننا نتحدث عن مؤسسة "المجلس” التي لم تحرك ساكناً حيال هذا الخطر الكبير، بل انتظرت حتى قرب نهاية الدورة النيابية الأخيرة لكي يبدأ النواب ببيعنا بطولات وهمية لا تسمن ولا تغني من جوع.
اليوم، الغاز المسروق بدأ بالتدفق إلى الأردن، وأغرق بيوتنا بهذا التلوث، وبطولات اللحظة الأخيرة، أو الأداء المسرحي الهزيل، لن ينفع في إنهاء اتفاقية لا يوافق عليها غالبية الأردنيين.
اليوم نحتاج إلى عمل وطني حقيقي يعلي من المصلحة العامة، ولسنا في حاجة إلى أي شعبويات أو أداءات مسرحية من أجل لفت انتباه الشارع كي يبدأ النواب بحشد التأييد والترويج لأنفسهم من أجل إعادة انتخابهم من جديد، ولكي يكونوا مرة أخرى جاثمين على صدورنا، ويتبنون سياسات الحكومة أكثر من الحكومة نفسها.
صراخ النواب من أجل أن يلتف الشعب حولهم في رفضهم لاتفاقية الغاز هو تزوير واضح للحقائق على أرض الواقع. فالشعب الأردني عبر عن رفضه للاتفاقية منذ اللحظة الأولى التي تم الاعلان عنها، والحقيقة أن الشعب هو من يطالب المجلس النيابي الكريم بأن يلتفت ولو مرة واحدة إلى نبض الشارع، وأن يقوم، ولو لمرة واحدة أيضاً، بخطوة شجاعة تعبر عن أنه يعيش مع المواطن في المجتمع نفسه، وأنه يشعر بآماله وآلامه وطموحاته، وأنه يرفض ما يرفضه.
اتفاقية الغاز يجب أن لا تخضع لأي نوع من المزايدات أو الشعبويات، بل يجب أن تكون مرفوضة من الجميع، بمن منهم نوابنا الأكارم، والذين كان يتوجب أن يخضعوها للتصويت منذ زمن بعيد. كما كان يتوجب عليهم أن يرفوضوا الموازنات السابقة التي اشتملت على مخصصات لاستملاكات أراض وأجور تمديدات الخط. أما اليوم فلم يبق لهذا المجلس أي شيء ليفعله، فنحن ننتظر رحيله بفارغ الصبر، لعل الله يقيّض لنا مجلساً قادماً يتحلى بالصدق والشجاعة، ويقدم مصلحة الوطن على مصالحه الخاصة.