الشريط الإعلامي

في موضوع الجرّة

آخر تحديث: 2019-12-04، 07:24 am
ضحى عبد الخالق
اخبار البلد-
 
لطالما أثار منظر جرّة الغاز حنقي وغضبي الشديدين! وهي من المُجسمات غير الطبيعية التي لم أرغب قط باقتنائها أو بتأمّلها. في بلاد أخرى هم ينقلون الغاز للشقق وللمساكن عبر أنابيب خارجية بشكل مركزيّ آمن ونظيف بواسطة شركات التوزيع الضخمة وعلى نحو لا تظهر به الجرة لأحد بالفضاء العام ولا حتى بالمنازل أو المطاعم.
ولكن عندنا، ما نزال لليوم نتعامل مع جرّة الغاز مثل موروث! ومع قطعة مُغلقة لا يمكن قراءة مُحتواها بحيث تشعر بأنّها مُرشّحة للانفجار. ولكن مصدر حنقي بالواقع هو أنّ هنالك من يصرّ لدينا إصرارا شديدا! على فرض تصاميم وحلول هندسيّة وعلميّة وتكنولوجيّة بعينها باعتبارها الخيار الوحيد والمُتوافر لنا هناك؟ وبدون القبول بفكر البحث والتطوير كنهج، للتوريد العام لدينا والذي تمّ فيه التنظيم والتوزيع من مصادر محدّدة بعينها ما يُحسب في هذا الزمان كحالة من الاحتكار.
الحقيقة هي أنّه، وفي نهاية كلّ شهر، نحن مُجبرون على قبول الجرّة ذاتها بدون أن نعترض على المُواصفات الشكليّة وهي اليوم مُهمّة من وجهة نظر مُستهلك. أذكر مرّة أنني رسمت على الجرة صورا لشجر ولعصافير وصورة لقمر، وفي مرّات أخرى ألبستها شرشفا وصبغتها باللون الأصفر وبعدها يئستُ حقا من تجميل الجرة! وما بين (غيّر الجرة، ما هو سعر الجرة، اقلب وافحص الجرة، وتعطّلت الجرة) أقول إنّ الإنسانية قد اجتهدت ومنذ فجر الوعي لإظهار أهم أوصاف الله الحُسنى بأنّه الجميل البديع الذي يقوم بعمله بإتقان لا يُعرف له مثيل. وعليه فالاستنتاج المنطقي هو أنّ للجمال قيمة راسخة بالموروث لدينا، وليصبح نقل الجمال عبر الشاهد إذن هو العمل المحمود؟ وما زلت أحاول فكفكة أسباب الخوف من التصاميم الجديدة لدينا عبر التعلّق بالصورة الأقدم؟ ولماذا أثار ويُثير كل مُقترح جديد كل هذا الرفض والاعتراض حتى عند وجود الدليل الدامغ والسعر المعقول؟ على أي حال لقد أحسنت الحكومة بالموافقة على استيراد أسطوانات غاز جديدة خفيفة ونظيفة لأنّها بذلك تكسر حالة من الاحتكار ليس فقط على المُنتج بل على تصاميم مُتخلفة. كما ومن المُريح العلم بأنّ خيار الاستبدال عندنا ما هو الا نتاج للبحث وللتطوير الذي قام ويقوم به آخرون، ولنأخد نحن التصاميم الحديثة على طبق من فضّة. أنا مع الجرّة الجديدة لأن التغيير أصبح الخيار الأول لشريحة واسعة ومنها الشريحة الشابّة والنساء والعائلات وفئات الأعمال الجديدة وكل جماعة من (على الموضة) وهذا ليس بالأمر السيئ! إنّه مُتلقّي الخدمة إذن الذي سيُحدد التصاميم المقبولة له ثمّ على السوق فتح كلّ الخيارات المُمكنة والتوسّع بالمواصفات لشريحة أوسع من المُستهلكين، بدون خوف أو تردد. وبالواقع لن يتضرّر أحد عندنا من طرح تصميم راق وجديد في السوق، فأسطوانة من الحديد والصدأ هي من حيث المبدأ منظر بائد وهو الشيء الظاهر لدينا في فضائنا العام! طوال عمري وأنا أرى الجرة ذاتها؛ أي الشيء ذاته الذي لم يتغيّر أو يتطوّر عليه أي شيء! والسؤال المُتبقّي هو لماذا نظلّ نحن ماسكين بالخُردة؟