الشريط الإعلامي

عن حمى التدخل الخارجي في شؤون الجزائر

آخر تحديث: 2019-12-03، 07:20 am
توفيق رباحي
اخبار البلد-
 

من الصعب في 2020 أن تعيش دولة ما، كبيرة كانت أم صغيرة، متقدمة أم متخلفة، هامشية أو محورية، أزمة داخلية وتتوقع تسييرها ومعالجتها بمعزل عن متابعة العالم وتعليقاته. إذا خطر لأيّ مسؤول أوّ شعب أنه في متناول يده أن يدير أزمته من دون تعليقات ومواقف دولية، فهو واهم. هذا ما يريد حكام عرب من فصيلة الذين يقودون مصائر سوريا ومصر والجزائر وغيرها: أن يفعلوا بشعوبهم ما يشاؤون، ثم يمنحهم العالم شيكا على بياض، أو يصمت. ورغم أن هذا بالضبط ما يحدث، بدليل أن الحكومات الغربية وبعض المنظمات الدولية متواطئة، ولو بالصمت، مع الأنظمة العربية وأكثرها ديكتاتورية، هناك من يجادل باستماتة في موضوع السيادة الوطنية (لا وجود لها في الواقع) وفزّاعة التدخل الأجنبي.
هناك نوعان من التدخل الأجنبي، واحد في صالح الطغاة يقدم لهم مختلف أشكال الدعم، وآخر ضدهم، يضايقهم ويندد بسياساتهم، نادرا صادقا، وفي الغالب نفاقا أو بحثا عن مآرب.
الوضع في الجزائر انتهى إلى عنق زجاجة جعل من تنظيم الانتخابات الرئاسية يوم 12 كانون الأول (ديسمبر) مشكلة، وعدم تنظيمها مشكلة. ورغم ذلك هناك من يريد أن يمنع العالم من متابعة «عنق الزجاجة» والتعليق عليه. البلاد اليوم في حالة هيجان غير طبيعي بلغت ذروتها يوم السبت في تلك المظاهرات غير العفوية «الرافضة للتدخل الأجنبي».
مخطئ مَن تابع تلك التظاهرات، التي أنفقت عليها السلطات أموالا طائلة من الخزينة العامة، وصدَّق أنها موجهة إلى فرنسا أو البرلمان الأوروبي (بسبب لائحته المتعلقة بالحريات وحقوق الإنسان في الجزائر). فلوائح البرلمان الأوروبي بالمئات ولم تغيّر يوما في السياسات الدولية خارج الفضاء الأوروبي. وفرنسا لم تتدخل في الشأن الجزائري منذ بدء الحراك، إلا لصالح السلطة ولو بالصمت. رسالة مظاهرات السبت غير العفوية، كانت من جزائريين إلى جزائريين، حتى وإن كانت الحناجر تخاطب فرنسا. ولذلك حملت ذلك الكمّ الكبير من شعارات التخوين وخطابات الوعيد.
المطلوب فوراً ضبط النفس ووقف حالة الهيجان المستشرية في الخطاب الرسمي ووسائل الإعلام الحكومية والموالية للسلطة. ما لم يتوقف ذلك التجييش، فالجزائر متجهة بثبات نحو مواجهة في الشارع لن تحمد عقباها. والمسؤول الأول والأخير لحظتئذ هو السلطة وسياساتها الحمقاء. القضية المفتعلة لا تستحق تلك المخاطرة. هناك أسباب عدّة للقلق، أولها أن الخطاب المستعمل يجنح نحو عنف لفظي غير محمود العواقب. ومنها أن السلطة الجزائرية تعيد إنتاج أساليب تسعينيات القرن الماضي، عندما كان النظام الحاكم يقفز من مأزق إلى آخر ولا خطة أو حل لديه إلا المسيرات «العفوية»: من مسيرات دعم ترشح الجنرال اليمين زروال لانتخابات الرئاسة في تشرين الثاني (نوفمبر) 1995، إلى مسيرات دعم بوتفليقة وسياسة المصالحة المزعومة التي ورثها عن زروال، مرورا بمسيرات التنديد بـ «مَن يقتل مَن؟» عندما اشتبهت حكومات أجنبية ومنظمات غير حكومية في أوروبا أن بعض الدوائر الأمنية ضالعة في ذبح المدنيين بالجملة.

لا يوجد على الطاولة ما يوحي بأن النظام الجزائري اختلف عنه في التسعينيات. آنذاك، عندما يطلب النظام من الخارج مساعدة لوجيستية أو دعما دبلوماسيا، كان ذلك جزءًا من «التعاون المشترك»، لكن عندما ينطق مسؤول أجنبي بما لا يُعجب النظام، يصبح ذلك «تدخلا سافرا ومرفوضا»

عند مشاهدة المسيرات غير العفوية التي تُنظَّم هذه الأيام دعما للانتخابات ولقائد الجيش، يخيّل للمرء أن الأشخاص ذاتهم الذين شاركوا في مسيرات التسعينيات عادوا من جديد اليوم: تشابه الناس، الأجواء والمظاهر نفسها، الشعارات ذاتها، التغطية الإعلامية نسخة مكررة، كأن الزمن توقف بالجزائر في منتصف التسعينيات.
المطلوب قليل من الهدوء وعودة إلى الجدية، لتفادي الانحرافات المحتملة.
فرنسا لا يؤتمن جانبها، ويكفي أنها تعيش عقدة تاريخية اسمها الجزائر. وإذا فكرت يوما في التدخل في الشأن الجزائري فسيكون تدخلها قطعا لصالح النظام الحاكم أيًّا كان مَن على رأسه. هل تريد فرنسا الجزائر دولة ديمقراطية تسودها الحقوق والحريات والمحاسبة؟ الجواب: لا. هل تريدها دولة منهارة مثل ليبيا وأسوأ؟ الجواب: لا. دولة ديمقراطية تعني برلمانًا يحاسب ومجتمعا مدنيا يتابع ورأيا عاما واعيا وناضجا. ونتيجة ذلك حتما أن فرنسا ستخسر مصالحها في الجزائر التي مُنحت ـ أو ستُمنح ـ لها من تحت الطاولة. ودولة فاشلة تعني الخراب على أبواب أوروبا وقوافل يستحيل السيطرة عليها من اللاجئين الجزائريين والأفارقة نحو فرنسا وأوروبا. فرنسا تريد جزائر بين منزلتين لتشتري نفطها وخيراتها بأبخس الأسعار، وتسوّق لها خردتها وبقايا السلع التي تفيض عنها. جزائر ديمقراطية لن تقبل بأن تكون مكبّا للسلع الفرنسية. وجزائر منهارة لا يمكن لفرنسا الاستفادة من خيراتها بسهولة وسلاسة. وفرنسا أفضل من يدرك هذه الثنائية. لا يوجد على الطاولة ما يوحي بأن النظام الجزائري اختلف عنه في التسعينيات.
آنذاك، عندما يطلب النظام من الخارج مساعدة لوجيستية أو دعما دبلوماسيا، كان ذلك جزءًا من «التعاون المشترك»، لكن عندما ينطق مسؤول أجنبي بما لا يُعجب النظام، يصبح ذلك «تدخلا سافرا ومرفوضا». اليوم يعيد النظام إنتاج نفس التناقض: الرئيس المؤقت، عبد القادر بن صالح، يشرح أمام فلاديمير بوتين الوضع الجزائري ويطمئنه وينتقد له الحراك، هذا تعاون مع حليف استراتيجي. أما عندما ينتقد البرلمان الأوروبي الوضع الحقوقي في الجزائر يصبح الأمر تدخلا أجنبيا مرفوضا.
لا عزاء للجزائريين: الجزائر ليست في حرب مقدسة مع فرنسا. وفرنسا بين ظهرانيهم، ليس تدخلا منها، وإنما لأنها مطلوبة من نظام لا يستطيع العيش من دونها، مهما ادّعى عكس ذلك. وليعلموا أن أحد أبرز المرشحين الخمسة لانتخابات الرئاسة المقبلة أوفد نجله إلى واشنطن وباريس يجس نبضهما ويروّج لوالده (موقع أفريكا إنتلجنس الإخباري 28/11/2019)، ولا أحد كذَّب الخبر. وليعلموا أن شركة فرنسية مغمورة استلمت مؤخرا، عبر فرعها في الجزائر، مشروعا بـ363 مليون دينار جزائري يتضمن تقوية السدود والستائر الصخرية في جبال خراطة على امتداد الطريق الوطني رقم 9 (المصدر ذاته 17/10/2019). المشروع انتُزع من شركات رجل الأعمال المسجون، علي حداد. ولا أحد كذّب الخبر.