الشريط الإعلامي

البعد الاستراتيجي للإرهاصات العربية والمشروع الوطني

آخر تحديث: 2019-11-14، 07:32 am
فايز رشيد
اخبار البلد-
 

ما يجري في لبنان والعراق والجزائر واليمن وليبيا وغيرها من الأقطار العربية، هي حراكات وطنية جماهيرية، تهدف إلى تحسين الوضع الاقتصادي الاجتماعي والسياسي لعموم المواطنين، بعد وصولهم إلى حالة من الفقر المدقع، لا يستطيعون مواصلة الحياة بعدها، في ظل ازدياد اغتناء الطغمة المالية الاحتكارية للثروة.
ما يجري الآن هو «ربيع عربي ثانٍ»، بعد فشل دول «الربيع العربي الأول» عام 2011 من قطف ثمار تضحيات الجماهير في أكثر من بلدٍ عربي.في سوريا استمر الصراع ثماني سنوات، ولم يجر الاتفاق بعد حتى على صياغة دستور جديد في جنيف. ما يجري مهيأ للانتقال إلى أكثر من بلد عربي.
النظام الرسمي العربي يعيش مرحلة الغياب التام عما يجري في أقطاره، أو كأن الكولونياليين أرادوا تغييب هذا النظام عن الواقع، فهذا النظام لا يدرك طبيعة التحولات الطبيعية في دورة الدولة، كما كتب عنها ابن خلدون قبل أكثر من خمسة قرون. لا يدرك طموح الإنسان المزروع في جيناته الميل، بل التوق إلى الحرية والديمقراطية وتحقيق العدل المجتمعي. كما رد ّالفعل الطبيعي المتمثل في الإصرار على مجابهة، بل محاسبة الفساد، الظلم، الاضطهاد، القمع والاستغلال والديكتاتورية، منذ تقسيم العمل، الذي تعزز بظهور الإقطاع، ظهر الفساد والظلم واحتكار الثروة، ولقد عزز ذلك نشأة وظهور الدولة.
من الخطأ التأريخ للمبدأ الشيوعي بظهور دعوات ماركس، أنجلز ولينين وماو تسي تونغ، لهذا النظام وجرى اعتماد المبدئين الأهم في نظرية تحليل الوقائع الاقتصادية، السياسية والاجتماعية: المادية التاريخية، والمادية الجدلية (الدياليكتيكية). وللعلم وقف العديد من المفكرين ضد الشيوعية، منهم ريموند أرون الذي أطلق على الثورة الروسية تعبير «أفيون المفكرين»، جاءت نظرية الملكية العامة للثروة مثلما أوضحها ابن خلدون في أطروحاته الاقتصاديّة الّتي لامست مفهوم الاقتصاد الحديث، لتؤسس لنهج جديد في نظرية البنيوية الداخلية للدولة، فقد دعا إلى عدم تدخّل الدّولة في حياة الناس الاقتصاديّة. تبرز المظاهر الحداثيّة الخلدونية في آرائه ونظريّاته المستفيضة حول مسألة «الدّولة والتملك» ليستخلص أفكارا جاءت في مرحلة النّهضة والإصلاح، كنظريّات ميكافيلي في كتابه «الأمير»، لاسيّما في ما يتعلّق بتحليلاته للبنية الاجتماعية لنظام الحكم والسلطة. لكن العالم الاجتماعي لودفيج جمبلوفيتش، يؤكّد أسبقيّة ابن خلدون في الكتابة عن الدولة وعلاقتها بالأفراد. أيضا تجد في فلسفة أفلاطون العديد من الأفكار الفلسفيّة الحياتية المنادية بالعدل والمساواة بين مواطني الدولة، وتُعتبر فكرة «المدينة الفاضلة» التي نادى بها، من أهمّ هذه الأفكار، بل وأكثرها انتشاراً بين النّاس والمُهتمّين بدراسة الفلسفة، وسبق أن نشر أفكاره هذه في كتابه «الجمهوريّة». من جانبه دعا أرسطو إلى السعادة المجتمعية الحقيقية. كذلك تبنى في ما، بعد الأفكار ذاتها في نظرتهم لبنية المجتمع، كثيرون، من أهمهم توماس مور في كتابه «اليوتوبيا»، وتوماس كامبانيلا في كتابه «مدينة الشمس»، الذي اتهم بسببه  بالهرطقة، وتم سجنه بسبب دعوته لإنشاء جمهورية ثيوقراطية، ومن بين هؤلاء أيضا، سان سيمون الذي دعا إلى الاهتمام بالعدالة المجتمعية، وأشار إلى أهمية الحياة البرلمانية في الاقتصاد، وإلى تكافؤ الفرص لا التجانس الكامل. ولهذا أشترك في الثورة الأمريكية مدفوعا بحماسه وإخلاصه، وأيّد الثوار الفرنسيين في باريس. وتعرّض في حياته إلى الجوع والتشرد، وتحمّل الكثير من الصعاب في صراعه الطويل من أجل صياغة أفكاره ونظرياته، التي كان يرمي منها إلى قيام مجتمع عادل، ومن أشهر مؤلفاته «المسيحية الجديدة». بدوره، فإن روبرت أوين كان أحد واضعي أسس الاشتراكية المثالية ومبادئ الحركة التعاونية. ثم جاء ماركس في كتابه «رأس المال» ليكشف حقيقة الاستغلال الطبقي في الرأسمالية، من خلال مبدأ «القيمة الزائدة»، ووجد الحلول لكافة الإشكاليات المجتمعية، خاصة الاقتصادية منها، وأتى بمعادلته الرائدة بين أدوات الإنتاج ووسائله وعلاقاته، كما العلاقة بين طبقات المجتمع في نظريته الشيوعية. من بعده أكمل إنجلز ولينين وماوتسي تونغ وغيرهم الطرق الصحيحة لتحقيق هذه الأهداف.

النظام الرسمي العربي لا يملك استراتيجية ولا حتى برنامج مجابهة للاستهدافات الأمريكية الغربية الصهيونية للوطن العربي

نقول ذلك، لا بهدف إيراد معلومات تاريخية جرت في أزمان غير زمننا، لكن الظواهر لا تبقى كما هي إلا كمضامين مجرّدة، مع الاخذ بعين الاعتبار المتغيرات المستجدة من حولها، خاصة في حالة الحراك الثوري، غير أن الأساس الأيديولوجي لانتفاضة ما، ومن أجل أن تتحقق، لا بدّ أن تدرس قيادتها كل الانتفاضات الجماهيرية السابقة، وتحدد برنامجها النضالي في عملية التغيير، التي تناضل من أجلها. فالعفوية في الفعل النضالي الثوري يضيع كالهباء في خضمّ الفراغ، وتجاذبات أصحاب المطالب واختلافها وتنوعها، المقصود القول، إنه لا بد من قيادة موحدة للفعل النضالي الانتفاضي، توحّد وتراكِم إنجازاته لتحقيق التغيّر النوعي الذي تريد! ودوما «أهل مكة أدرى بشعابها»، فالانتفاضة العراقية الباسلة التي خسرت حتى اللحظة حوالي 300 شهيد، هي الأدرى ببرامجها ومطالبها وأهدافها وحدود التغيير الذي تريده والوصول إليه كهدف نهائي، لذلك لا بد أن تكون لها استراتيجية واضحة، تفهمها جماهيرها المشاركة في النضال الوطني، من أجل تعزيز قدرتها واستمراريتها، حتى تحقيق مطالبها.
حاول الكثير من المفكرين الثوريين وضع مبادئ استراتيجية عامة للثورة، فكان اختيارهم في وضع هذه المبادئ أكثر من اختلافهم في تعريف الاستراتيجية ذاتها. والسبب الرئيس في ذلك الاختلاف هو أن الاستراتيجية، ليست فكرة محددة المعالم، جليّة السمات، ولكنها كما يقول الجنرال والمفكر الفرنسي أندريه بوفر (أسلوب تفكير). فلكل موقف استراتيجية تلائمه، ولكل دولة استراتيجية تناسبها وتتلاءم مع ظروفها، وقد يكون اختيار هذه الاستراتيجية أو تلك صائباً في زمان أو مكان معينين، وغير صائب في زمان، بل خاطئ، في مكان آخر، فالاستراتيجية تتأثر بعوامل الزمان والمكان، وبعقلية المخططين وظروف العصر وتقنيته، وغير ذلك من العوامل وما أكثرها. بالتالي فإن الحراكات النضالية الجماهيرية في لبنان، العراق، الجزائر، اليمن، ليبيا والسودان وغيرها، هي في البعد الاستراتيجي لها، أمام خيارات ثلاثة: الوصول إلى مبتغاها وأهدافها وإلى ما تريد، وذلك مرهون بتوفيرها العوامل الذاتية وتغييرها للموضوعي ما تستطيع، من ظروفها المحيطة، كما الاستمرارية في النضال واستنباط وسائل شديدة التأثير على الطرف الحاكم. أما الخيار الثاني فهو تضييع المنجزات القليلة المتحققة حتى اللحظة في غياهب الأضاليل ومتاهات المساومة التاريخية، وهذا ما حصل فعليا في نهاية أحداث الربيع العربي الأول. الخيار الثالث، هو القبول بحل لا يلبي كافة مطالب الحركة الانتفاضية، ودروس التاريخ علّمتنا، أنه والحالة هذه فإن الطبقة السياسية الأوليغارشية الحاكمة ستمسك بميزان القوى من جديد، وتتعامل بشكل أقسى وأشد ضراوة مع المنتمين إلى الحركة الثورية.
نزل اللبنانيون والعراقيون والجزائريون إلى الشوارع في احتجاجات شعبية ضد الفساد وتردي الخدمات، فضلا عن الحالة السياسية التي تنعكس سلبا على واقع هذه البلدان، وتهدد السلم الاجتماعي فيها، وتجمع بين لبنان والعراق خصوصيات وعوامل عدة، تحضر في الاحتجاجات القائمة، أبرزها الحالة الطائفية، والحضور الكبير لتأثير أطراف خارجية على المشهد الداخلي، بكل تفاصيله. وتزامن الحراك في البلدين مع ضغوط أمريكية كبيرة على إيران، اللاعب الإقليمي المهم في كل من هذين البلدين، بهدف الحد من دورها فيهما وفي المنطقة.
بالنسبة لأهمية البرنامج الوطني، فالمقصود به على الصعيدين، القطري والقومي، أن امتلاك مثل هذا البرنامج مسألة أولى في عملية المواجهة للتحديات المحيقة بالوطن. الغريب، فإن كافة أطراف النظام الرسمي العربي تتحدث بشكل مستفيض عن مفهوم الأمن القومي العربي المشترك! لكن على الصعيد الفعلي يجري اختراق هذا المبدأ من الاطراف العربية ذاتها، من دون امتلاك أدنى حدود الإدراك للتحديات الكولونيالية والصهيونية القائمة بشكل يومي. مفهومة هي الأسباب! فمن يخطط لأمن عربي مشترك، لا يجعل من بلده ملعبا للتحركات الأمريكية الغربية الصهيونية ملعبا واسعا للتآمر على الوطن العربي وعلى الأمة العربية بكاملها، وعلى الشعب الفلسطيني قضية ومشروعا وطنيا وحقوقا، بل مشاركة في تصفيتها والتعامل إيجابا مع المخططات الهادفة إلى تصفيتها نهائيا.
النظام الرسمي العربي لا يملك استراتيجية ولا حتى برنامج مجابهة للاستهدافات الأمريكية الغربية الصهيونية للوطن العربي. حلف الأعداء واضح وصريح ومخططاته مكشوفة، لكن النظام العربي ينسى أو يتناسى كل هذه المخططات، لصالح العمل على بقائه في الحكم، ولو على حساب البلد وثرواته ودوره السياسي، ولو على حساب الشعب وقوته وعزته وكرامته. لعل المثال الأقرب على أهمية امتلاك الإرادة القتالية، هو ردّ المقاومة الفلسطينية على اغتيال الكيان الصهيوني لقائدين فلسطينيين في حركة الجهاد الإسلامي منذ يومين.