الشريط الإعلامي

المنطقة العربية وتطبيقات سياسة (الحلول وملء الفراغ)

آخر تحديث: 2019-11-14، 07:09 am
د. عبد الرحيم جاموس
اخبار البلد-

منذ انهيار الدولة العثمانية، وقعت الأقاليم والدول العربية ضحية سياسة الحلول وملء الفراغ الإستعمارية حيث تقاسمت الدول الإستعمارية مناطق النفوذ فيما بينها وأجرت عملية تقسيم جائرة لهذه الأقاليم، فكانت بريطانيا وفرنسا الإستعماريتين هما من ملأ الفراغ الذي أحدثه إنهيار الدولة العثمانية، ومع نهايات الحرب العالمية الثانية كانت بوادر أفول نجم بريطانيا وفرنسا واضحة للعيان، يقابلها صعود نجم الولايات المتحدة الأمريكية على المستوى الكوني لدورها الحاسم في الحرب العالمية الثانية، وكان الرئيس فرانكلين روزفلت متنبها لهذه اللحظة التاريخية وللإنتصار الحاسم الذي حققته الولايات المتحدة فيها فصاغ سياسة ملء الفراغ وسياسة الإحلال مكان القوى المتنفذة السابقة، وكان الإرث الأول الذي ورثته أمريكا بموجب هذه السياسة هو إكمال تنفيذ وعد بلفور البريطاني في إنشاء (المستعمرة الإسرائيلية) على أرض فلسطين لتأكيد هذا التحول من بريطانيا إلى الولايات المتحدة التي سوف تملأ الفراغ بعد إنسحاب بريطانيا من المنطقة، وهذا الأمر إنطبق أيضا على كافة مستعمرات بريطانيا وفرنسا في كل من أسيا وإفريقيا عامة وفي المنطقة العربية خاصة، وقد واصلت الولايات المتحدة سياساتها هذه في ظل الحرب الباردة التي حكمت العلاقة بينها وبين الإتحاد السوفيتي، وقد خاضت من أجل ذلك حروبا مباشرة وأخرى بالوكالة في أكثر من إقليم  في سياق الإلتزام بسياسة الحلول وملء الفراغ، وهذه السياسة لاشك أنها كانت مكلفة عسكريا وإقتصاديا للولايات المتحدة، لكن مصالح الولايات المتحدة كانت تبرر ذلك.
وإستمرارا لهذه السياسات وبعد إنتهاء الحرب الباردة وتفكك الإتحاد السوفيتي، سعت الولايات المتحدة إلى الحلول وملء الفراغ الذي أحدثه في دول أوروبا الشرقية.
لكن مع وصول الرئيس باراك أوباما إلى البيت الأبيض، وفي أعقاب أزمات إقتصادية عصفت بالإقتصاد الأمريكي، محملا سبب ذلك إلى السياسات المتبعة من الجمهوريين في الحروب التي شنوها في أفغانستان والعراق، وما نتج عنهما من إنتشار واسع ومكلف للقوات الأمريكية خارج حدود الولايات المتحدة، هنا بدأ الحديث عن سحب القوات الأمريكية من أكثر من منطقة لتجنب ذلك الإنفاق العسكري، وبدأ التوجه إلى عدم التورط المباشر في الصراعات التي بدأت تنتشر في منطقة الشرق الأوسط، وهذا مثل بداية تراجع مبطن عن سياسة الحلول وملء الفراغ، ومع وصول الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض فقد بدأت تتجلى وبوضوح أكثر معالم السياسة الخارجية الأمريكية الجديدة في التخلي التدريجي عن سياسة (الحلول وملء الفراغ) وتمثل ذلك في الإنسحاب من سوريا والعراق، أيضا في التخلي عن المسؤوليات الأمنية والعسكرية عن أوروبا في إطار الحلف الأطلسي ومطالبة الرئيس ترامب الدول الأوروبية أن تزيد نسبة مساهماتها في تكاليف الحلف، وأعلن الرئيس ترامب صراحة أنه لم يعد بإمكان الولايات المتحدة أن تتحمل كلفة تحقيق الأمن والحماية لكثير من الدول التي كانت تعتبر حليفة للولايات المتحدة دون مقابل ودون ثمن، مؤكدا على أن تقوم هذه الدول بتحمل مسؤولياتها الأمنية والعسكرية مباشرة وعلى نفقتها الخاصة.
هذا يعد مؤشرا أكثر وضوحا تقدمه إدارة الرئيس دونالد ترامب في التخلي عن سياسة (الحلول وملء الفراغ)، والبحث عن بدائل لها.
هكذا بدأت تفقد المنطقة العربية أهميتها الإستراتيجية في السياسة الأمريكية، بإستثناء الوضع الخاص للكيان الصهيوني، الذي يسعى هو الآخر للمشاركة في ملء الفراغ الذي سيحدثه التحول في السياسة الأمريكية.
لم يعد خافيا أن إدارة الرئيس ترامب تؤكد أن الصين وشرق آسيا باتا يمثلان التحدي الأكبر للولايات المتحدة والذي يفرض عليها مواجهة تمدد العملاق الإقتصادي الصيني الذي يشكل التحدي الرئيسي لمستقبل الهيمنة الاقتصادية للولايات المتحدة على المستوى العالمي.
المنطقة العربية للأسف ظلت مسرحا وحقلا لتطبيق سياسات الحلول وملء الفراغ دون أن تتمكن من أن تكون الفاعل الرئيس في تحديد مصيرها ومستقبلها، يبقى السؤال إلى متى تبقى المنطقة العربية مسرحا للصراع والتنافس بين القوى الإقليمية والدولية المختلفة ..؟!.