الشريط الإعلامي

العولمة والحركات الاحتجاجية

آخر تحديث: 2019-11-07، 06:55 am
د. موسى شتيوي
اخبار البلد-
 

تجتاح العالم منذ فترة ليست بسيطة حركات احتجاجية متزامنة، ولكنها غير مترابطة، من أميركا اللاتينية وفرنسا، ومروراً بالعالم العربي، والى باكستان وهونغ كونغ. السؤال الذي يتبادر للذهن هو إذا ما كان هناك جوامع مشتركة بين كل هذه الاحتجاجات أم لا. الإجابة لا يمكن أن تكون قطعية، ولكن بما أن هذه الاحتجاجات متزامنة، يمكن البحث عن وجود أسباب وعوامل مشتركة بينها.
بداية، أغلب هذه الاحتجاجات لها جذور بالوضع الاقتصادي المتردي لأغلب دول العالم، وخاصة دول العالم الثالث.
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي تسارعت وتيرة العولمة الاقتصادية، وأصبحت غالبية دول العالم منخرطة بالنظام الرأسمالي، وخاضعة لمنطقه وديناميكياته الاقتصادية، حيث فتحت هذه الدول أسواقا للاستثمار والتجارة في ظل السياسة النيوليبرالية الاقتصادية الجديدة.
النتائج المترتبة على هذا التحول لم تكن إيجابية على غالبية مواطني هذه الدول، فباستثناء جزء من الطبقة الاقتصادية المرتبطة بالرأسمال العالمي، تعاني أغلبية السكان في تلك الدول من البطالة، وخاصة لدى الشباب، والفقر، وتراجع حظوظ مداخيل الطبقة الوسطى.
أغلب هذه الدول أيضا تعاني من مديونية متراكمة وكبيرة، وتراجع النمو الاقتصادي، وعجز ميزانياتها. لذلك، أدى بها الى اللجوء لصندوق النقد الدولي أولا للحصول على مساعدة في ترتيب أمورها المالية. والنتيجة دوما إجراءات تقشفية تتراوح بين رفع الدعم عن السلع الأساسية، وزيادة في ضرائب الدخل والمبيعات، وانسحاب الدولة شبه الكامل من الاقتصاد. الإجراءات التقشفية والتصحيحية التي تلجأ لها الدول تمكنها، لا بل تدفعها للاقتراض من جديد، وتدخل هذه الدول دوامة الديون من جديد.
هذه الظروف والنهج جعلا الحكومات عاجزة عن الإيفاء بالتزاماتها بتقديم الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم، وخلق الوظائف، وخاصة للشباب وخريجي الجامعات. كنتيجة، أصبحت الحكومات تحت ضغط المؤسسات الدولية من جانب، ومواطنيها من جانب آخر. وعليه، تراجعت الديمقراطية في العديد من دول العالم الثالث، وأصبح الفساد ينخر جسم هذه الدول.
إذا، فالاحتجاجات موجهة مباشرة ضد هذه الحكومات، ولكنها أيضاً بطريقة غير مباشرة ضد هذه النتيجة من العولمة، الذي يصفها البعض بالرأسمالية المتوحشة.
ما يميز هذه الاحتجاجات أيضاً، وفي أغلب الحالات، هو أنها غير منظمة من قبل الأحزاب والأطراف السياسية الأخرى، كمؤسسات المجتمع المدني وغيرها، لا بل هي في البدايات تأخذ الطابع العفوي والجماهيري، وقد يظهر لها قيادات لاحقا، ولكنها احتياجات بلا قيادات أو زعامات، كما كان عليه الحال في سنوات وعقود مضت. وفي هذا السياق، لا نستطيع أن نتجاهل توجه الاتصالات والاعلام الاجتماعي، والذي أصبح مجالا عاما بامتياز للتعبير عن الآراء والمواقف السياسية وغيرها. وبذلك، فقد أحدثت هذه الوسائل ثورة في الاتصال الجماهيري، وأصبح الناس يمارسون الرقابة والتقييم والتعبئة الشعبية من خلال هذه الوسائل.
الاحتجاجات التي تجتاح العالم اليوم هي احتجاجات على العولمة الاقتصادية والفساد والتسلط في آن واحد. بنظر الكثير من شعوب العالم لم تعد حكوماتهم تمثلهم وتمثل طموحاتهم وآمالهم، والتي قد تفسح الآفاق لمسار طويل في التغيير الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للمنظومة.إنها قد تكون تؤسس لتاريخ جديد، وليس كما بشر فرانسيس فوكاياما بأن انتصار العالم الغربي في الحرب الباردة يمثل نهاية التاريخ.