الشريط الإعلامي

العقوبات كسلاح: كيف نفهم القانون الدولي؟

آخر تحديث: 2019-10-23، 06:13 am
د. مدى الفاتح
اخبار البلد-
 

مع ولادة «عصبة الأمم» بعد الحرب العالمية الأولى، تم التفكير في تشريع أعمال المحاصرة والمقاطعة، التي كانت معروفة في تاريخ الصراعات البشرية بهدف تحويلها لعقاب يمكن توجيهه ضد كل من يهدد الأمن والسلم الدوليين.
كانت تلك هي أيام ولادة مفاهيم مثل «الأمن الجماعي» و»الأسرة الدولية» التي ستصبح شائعة لاحقاً، والتي كانت تصور دول العالم التي تعهدت على عدم الدخول مجدداً في حرب كأعضاء لأسرة واحدة متحدة، ضد من سيحاول تهديد أحد أعضائها أو إعادته لمربع الحرب.
بالنسبة لأولئك المنظرين الأوائل، وبحسب ما تم النص عليه في مواد عصبة الأمم، فإن هذا التقنين للعقوبات الدولية كان يهدف لتلافي الحروب والنزاعات، عبر فكرة تهديد من يهدد «الأمن الجماعي». وفقاً لهذا تمت معاقبة إيطاليا عام 1935. الطريف أن تلك العقوبات، التي كانت بسبب الاحتلال الإيطالي لإثيوبيا، لم تنجح في تحقيق المطلوب منها، وهو تغيير سلوك إيطاليا، كما أنها لم تنجح بشكل عام في جعل الحروب شيئاً من الماضي. حينما ولدت الأمم المتحدة، التي يمكن اعتبارها ابنة بشكل ما لسابقتها عصبة الأمم، كان منظروها وواضعو تعهداتها الجديدة يحاولون الاستفادة من التجربة السابقة الخاصة بالعقوبات، فكانوا يتفقون مع ما أقرته «العصبة» من كون أن العقوبات قد تكون وسيلة ردع مفيدة، لكن ما كان مطلوباً هو الإجابة عن السؤال التالي: كيف نعرّف الفعل الخطأ الذي يشكّل تهديداً؟ ومن هو المخوّل بذلك التعريف؟
لم يخضع الأمر لكثير من النقاش، حيث حسمت الدول الكبرى المنتصرة في الحرب الأخيرة الأمر، بابتكار ما سيعرف بمجلس الأمن الدولي، الذي يضم خمس دول دائمة العضوية فيه. هذه الدول يجب أن تتخذ قرارها بالتوافق، قبل الشروع في تنفيذ أي عقوبة، أو اتخاذ أي إجراء ضد أي طرف. ميثاق الأمم المتحدة، ونشير هنا بشكل خاص للفصل السابع وللمادتين 42 و41، وعبر النص على جواز المعاقبة بأي شكل ممكن، عدا الإجراءات العسكرية، قد قام في الواقع بـتقنين هذه العقوبات واضعاً سلطة اتخاذ القرار بيد مجموعة من بضع دول.
لم يكن هذا التقنين متفقا عليه بين جميع الدول منذ البداية، فالدول التي خسرت الحرب كألمانيا وحلفائها العثمانيين وكذلك العشرات من الدول، التي كانت ما تزال ترزح تحت السلطات الاستعمارية، كل تلك لم يأخذ برأيها أحد، لكنها لم تلبث أن انضمت لذلك النادي العالمي بجميع بنوده، بما يشمل الموافقة على تسليم سلطة القرار المتعلق بالأمن والسلم والعقوبات لمجلس الأمن الدولي، الذي لا يحق لهم، كدول أعضاء، اتخاذ أي إجراء ضد أحد من أطرافه أو معاقبته على سلوكه إن أساء التصرف، أو بدأ بالعدوان، ببساطة لأن اتخاذ أي إجراء عقابي أممي يحتاج لموافقة جميع أعضاء مجلس الأمن، الذين يملكون وحدهم حق الرفض «الفيتو»، الذي هو أشبه بالورقة الرابحة التي يمكن إخراجها متى ما طرأ احتياج لعرقلة أي قرار.

للعقوبات الدولية تأثيرات اقتصادية، لكن السؤال حول ما إذا كانت فاعلة وناجحة في تحقيق الغرض المطلوب منها؟

كما كان متوقعاً، بحسب الطبيعة البشرية ومنطق القوة، فقد تحولت العقوبات الاقتصادية بالتدريج إلى سلاح بيد الدول التي تملك السيطرة على القرار الأممي. هذا التحول الذي ظهر بشكل سافر مع بروز الولايات المتحدة كقوة عالمية أولى، ثم وحيدة بعد سقوط منافسها الاتحاد السوفييتي حول النقاش حول العقوبات من منحاه القانوني، إلى منحى العلاقات الدولية وعالم السياسة، ومع تقنين «العقوبات الأحادية» التي تملك الدول حق تطبيقها بمعزل عن موافقة الجمعية العامة للأمم المتحدة، دخلت الفلسفة السياسية نفقاً آخر، فرغم أن الدول متساوية نظرياً بحسب ما ينص عليه القانون ومنطق التصويت، إلا أنها ليست متساوية فعلياً في وزنها، فلا أحد يهتم إذا ما تمت معاقبته من قبل إحدى الدول الصغيرة، أو إحدى الجزر المجهرية المتناثرة في المحيط، في حين تكون العقوبات الموجهة من دولة كالولايات المتحدة مساوية في تأثيرها للعقوبات الأممية، بسبب النفوذ الاقتصادي والتحكم في الدولار، الذي يجعلها تسيطر بشكل شبه تام على حركة المال والتجارة العالمية.
يحدث أيضاً أن يتم تطبيق عقوبات أحادية من قبل الدول أو المجموعات (الاتحاد الأوروبي) النافذة في الوقت ذاته، الذي تحاول فيه هذه الدول والمجموعات نقل عقوباتها من المستوى الأحادي أو الجماعي إلى المستوى الأممي. هذا النقل قد يتم بالتوافق مع مجلس الأمن، ولكنه قد يكون أيضاً بمعزل عنه عبر توسيع العقوبة الأحادية، بحيث تصبح جماعية عبر إقناع أو إجبار أطراف أخرى على المشاركة فيها، من خلال فرض ما تسمى «بالعقوبات الثانوية»، التي تخضع لها الجهات المالية أو السياسية التي تتعامل مع الهدف المطلوب عقابه.
الحديث عن العقوبات بهذه الطريقة يتضمن، كما قلنا، جانب السياسة الدولية بقدر ما يتضمن جانب القانون، ولأن العقوبات هي في الغالب اقتصادية فهو يتضمن جانب الاقتصاد أيضاً، حيث تعمل الإجراءات العقابية، في غالب الحالات على السيطرة على السيولة النقدية، وعلى غلق الأبواب التي تسهل عمليات التصدير والاستيراد، ما يشكّل خنقاً تاماً لمنافذ اقتصاد الدولة المستهدفة، وهو ما يستكمل برفض المؤسسات المالية الكبرى كالبنك الدولي، أو صندوق النقد إقراضها، بغض النظر عما تقدمه من ضمانات سداد، بسبب ضغط ونفوذ جهات العقاب.
السؤال الفلسفي الآخر الذي برز بعد عقود من فشل سياسة العقوبات في تحقيق أهدافها ووقوع تأثيرها بالدرجة الأولى على المواطنين كان في التسعينيات مع المأساة الإنسانية، التي خلفتها سياسة العقوبات الشاملة، التي تم اتباعها ضد النظام العراقي آنذاك. إحدى الخلاصات التي تم التوصل إليها كانت، أن العقوبات قد تكون فاعلة في مواجهة النظم الديمقراطية، حيث قد تؤدي للضغط على السياسيين أو سحب الثقة من الحكام، لكنها لن تكون مفيدة أبداً في مواجهة النظم التسلطية، بل على العكس قد تكون مساعدة لها واقعياً.
هنا ابتكر المنظرون مصطلح «العقوبات الذكية» داعين لأخذ الإجراءات اللازمة التي تركز على معاقبة أطراف النظام المتورطين في سياساته الخاطئة. في الواقع، ورغم شيوع هذا المصطلح، إلا أنه لم يحدث أن تم الاكتفاء بتنفيذ عقوبات ذكية خالصة مقتصرة على بعض الشخصيات، دون عقوبات أكثر شمولاً على البلد أو النظام كله، ففي الحالة الإيرانية على سبيل المثال تم إعلان قائمة تضم بعض الشخصيات النافذة أو المرتبطة بالتسليح أو البرنامج النووي، من التي ستخضع لحظر السفر وغيرها من الإجراءات، لكن هذا لم يمنع الاستمرار في أنواع أخرى من العقوبات الاقتصادية الشاملة، التي يمتد تأثيرها ليغطي الملايين من عامة الشعب. بالحديث عن حماية المجتمع الدولي أو عن العقوبات كعامل ميسّر للتفاوض، خاصة مع النجاح الذي تم تحقيقه في الحالة الإيرانية، يحاول البعض إعطاء العقوبات أبعاداً أخلاقية، لكن أولئك لا يستطيعون الإجابة عن الأسئلة المشروعة، التي تستند إلى كثير من الأمثلة التي برزت فيها العقوبات كمجرد سلاح يتم توجيهه بنية خلق تعقيدات داخلية، أو تغيير نظام غير مرضي عنه.
لا يمكن لأحد أن يجادل في أن للعقوبات الدولية تأثيرات اقتصادية، لكن السؤال حول ما إذا كانت فاعلة وناجحة في تحقيق الغرض المطلوب منها، في ظل وجود أنظمة امتلكت القدرة على «التعايش» معها ما يزال مطروحاً.