الشريط الإعلامي

قراءة في انتخابات تونس

آخر تحديث: 2019-10-09، 06:29 am
محمد كريشان


 

 

اليوم الأربعاء تعلن النتائج الرسمية الأولية لانتخابات تونس البرلمانية التي جرت الأحد الماضي. لكن لو وضعنا نظارة التصنيف السياسي التقليدي بين يمين ويسار ووسط وراجعنا النتائج التي أعلنتها شركات سبر الآراء والتي لن تختلف كثيرا عما سيعلن فإننا سنجد التالي:
فاز حزب يميني (محافظ أو تقليدي) هو حركة النهضة بالمرتبة الأولى لكن هناك تيارا على يمينها (ائتلاف الكرامة) ظفر أيضا بعدد مقاعد لا بأس به في حين غابت أحزاب اليسار بالكامل ومنيت بهزيمة تاريخية كبرى مما جعل زهير حمدي أحد قيادات هذا التيار يقول «خسرنا المعركة، ليس العيب في مشروعنا بل العيب فينا نحن لأننا لم نتكيف مع الواقع المتحوّل». وبين اليمين واليسار طائفة من الألوان يمكن أن نطلق عليها تسميات مختلفة من الوسط إلى يسار الوسط أو يمينه أو غير ذلك فقد تعدد التلوينات في برلمان تونس الجديد مع تحدي إيجاد تصنيف دقيق لحزب «قلب تونس» الذي حل ثانيا.
لو نزعنا هذه النظارة ووضعنا أخرى تنظر إلى الأحزاب فرادى وماذا حققوا وأين أخفقوا فسنجد التالي:
حزب النهضة ما زال في المرتبة الأولى، أو بالأحرى استعادها بعد أن كان حلّ ثانيا في انتخابات 2014 وراء حزب «نداء تونس» الذي أسسه الراحل الباجي قايد السبسي، ولكنه خسر الكثير ممن صوّتوا له طول السنوات الماضية فقد تراجع من 89 مقعدا في انتخابات 2011 إلى 68 في انتخابات 2014 إلى ما فوق الخمسين في الانتخابات الأخيرة مما يعني مبدئيا أن حجم التعاطف الشعبي الذي كانت تحظى به بعد الثورة انحسر تدريجيا فلم يبق من المصوتين لها إلا مناضلوها الحزبيون في المقام الأول.
حزب «قلب تونس» الذي فاز بالمرتبة الثانية، الذي يوجد زعيمه المرشح للرئاسية رهن الاعتقال بتهم تهرب ضريبي وتبييض أموال، هو حزب تأسس «على عجل» مثل حزب «نداء تونس» من قبله دون أرضية فكرية واضحة أو ماض نضالي معين، وقد ينتهي به الأمر إلى نفس ما انتهى إليه حزب قايد السبسي لأنه خليط هجين يكاد يكون نسخة معدلة ومنقحة من «نداء تونس» الذي يكاد يكون الحزب الأول في العالم الذي يتحول بين موعدين انتخابيين متعاقبين من المرتبة الأولى إلى الأخيرة!!

الرهان المقبل في تونس بعد تشكيل الحكومة وانتخاب رئيس جديد للبلاد الأحد المقبل أن يشمّر هؤلاء الذين اختارهم الشعب عن ساعد الجد وأن يركزوا كل جهدهم على إعادة هيبة الدولة والقانون والتوجه بكل ثقلهم إلى محاربة الفساد

حركة «تحيا تونس» لرئيس الحكومة يوسف الشاهد لم يحصل على ما كان يطمح إليه مما حدا بسمير عبد الله أحد قيادييه إلى الاعتراف بأن «النتيجة لم تكن في حجم تطلعاتها لكن تعتبر بكل المقاييس إنجازا مهما وهي التي تركزت عليها كل القذائف وحملات الشيطنة من كل حدب وصوب وخاصة من عائلتها السياسية».
الأحزاب التي كانت توصف نفسها بـ«الوسطية والحداثية» منيت بهزيمة قاسية رغم ما كانت تمني به النفس من أنها خيار جيد بين «النهضة» و«قلب تونس» وأنها، كما تروج عن نفسها، الأمينة على مكتسبات تونس وعلى مدنية الدولة وضمان الحريات العامة والفردية وقيم الانفتاح ونبذ التعصب. نتيجة جعلت محسن مرزوق رئيس «مشروع تونس» أحد أحزاب هذا التيار يقول إنه من «المؤسف ألا تمر قامات عالية وكفاءات أكيدة كم تحتاج لها تونس ويحتاج لها البرلمان ولكنها إرادة الناخب التي نحن نحترمها. ومثلما نحترم إرادة الناخب فلا شك بأن الناخب مسؤول عن خياراته».
الإيجابي في انتخابات تونس الأخيرة أنها أظهرت أن ليس بالصوت العالي وبالتعبئة الإعلامية يمكن تحقيق كل شيء فبعض من لمّعتهم ماكينة إعلامية لا تكل لم يحققوا شيئا، في حين حقق من تعرض لهجومات عديدة، عن حق أو باطل، نتائج جيدة ما جعل القيادي في حركة النهضة علي العريض رئيس الحكومة السابق يتوجه بــــ «التهنئة للشعب الذي منح صوته وثقته لحركة النهضة خاصة بعد ما عرفته من حملة تشويه وتحميلها مسؤوليات جسام».
الرهان المقبل في تونس بعد تشكيل الحكومة وانتخاب رئيس جديد للبلاد الأحد المقبل أن يشمّر هؤلاء الذين اختارهم الشعب عن ساعد الجد وأن يركزوا كل جهدهم على إعادة هيبة الدولة والقانون والتوجه بكل ثقلهم إلى محاربة الفساد الذي استفحل في البلاد بطريقة مخيفة ومعقدة تهدد استقلالها ومناعتها الاقتصادية والتنموية والأمنية كذلك. هناك أيضا ضرورة ملحة لمعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المستفحلة من غلاء معيشة وتفشي البطالة بحيث يلمس المواطن في القريب العاجل تحسنا واضحا على هذا المستوى وكذلك على مستوى البنية التحتية والخدمات العامة بل وأيضا مستوى النظافة الذي تراجع كثيرا في المدن بطريقة مخجلة.
يفترض الآن أن تصبح وراء ظهور التونسيين وطبقتهم المناكفات الأيديولوجية والصراعات الحزبية التي أجّجها إعلام خاص تثار حوله أكثر من شبهة وتساؤل، وأن يكون تحدي التنمية وتحسين الاقتصاد ورفع قيمة العملة الوطنية هو التحدي الأبرز والامتحان الحقيقي للجميع. لقد كانت نسبة المشاركة الضعيفة في الانتخابات جرس إنذار للجميع بحيث لابد من استعادة ثقة الناس في الأحزاب والسياسيين الذين أصبحت النظرة العامة إليهم هي أنهم مجرد طلاّب سلطة انتهازيون.. فهل يمكنهم رسم صورة أخرى مغايرة في السنوات الخمس المقبلة بعد أن رسّخوا الديمقراطية والانتخابات وسيلة رائعة للتداول السلمي على السلطة في حالة غير مسبوقة في بلادنا العربية؟؟ نأمل ذلك بكل قوة.