الشريط الإعلامي

فوضى الطرح!

آخر تحديث: 2019-10-07، 05:42 am
يعقوب ناصر الدين
اخبار البلد-
 
ذلك هو ما يشوب بالفعل معظم القضايا والشؤون التي تشغل بال ساحتنا الوطنية في غياب استراتيجية واضحة المعالم في التعامل مع الأزمة الاقتصادية، وفي إدارة القطاعات المختلفة، وحتى لا أقع كذلك في فوضى الطرح، فلن أنكر وجود استراتيجيات من حيث المبدأ، ولكنه من المؤكد أننا لا نجد لبعضها أثرا على أرض الواقع.
تبدو المسافة بعيدة جدا بين الحقائق التي تتعامل معها الحكومة "أي حكومة” وبين ما يجول في خاطر من يعرف ومن لا يعرف تلك الحقائق عندما يتعلق الأمر بالتعليق أو الانتقاد للأداء العام باعتباره دون الحد الأدنى في النتائج والمخرجات، ومع ذلك فالانطباعات العامة ليست أساسا صحيحا للحكم على الأشياء!
هناك مقياس قد يغيب عن الذهن في غمرة القلق أو الغضب، وهو مقياس "تحت الصفر” أي عندما يتركز الهدف على إعادة مستوى التراجع إلى الخلف عند نقطة الصفر، أو بمعنى آخر معالجة شأن ما، كي يعود إلى طبيعته، قبل أن نتمكن من دفعه إلى الأمام مرة أخرى، وينطبق ذلك أيضا على الجهود المبذولة لوقف حالة التراجع أو التدهور لقطاع ما حتى لا يصل إلى مرتبة الصفر، فكثيرون ممن يتابعون الشأن العام يسقطون من حساباتهم أهمية إنجازات من هذا النوع، ويقولون ببساطة ما كان ينبغي أن يحدث ذلك الخلل أصلا، وهذا صحيح إذا تغاضينا عن العوامل الخارجة عن إرادتنا، أي العوامل الإقليمية والدولية، فضلا عن العوامل الداخلية التي لم تتمكن من الاستجابة للتطورات المتسارعة في مجالات عديدة!
لننظر إلى فوضى الطرح التي تسود الأجواء السياسية والاقتصادية في بريطانيا على خلفية خروجها من الاتحاد الأوروبي. وبريطانيا لا ينقصها استراتيجيات ولا خبرات، وهي مثل أعلى في الديمقراطية، وفي التأثير السياسي العالمي، والآن يعرف كل بريطاني أنه ربما تأثر أو سيتأثر بأزمة يمكن اعتبارها إقليمية أو قارية، ولكن نحن أميل في بلادنا إلى الانتقاد والاحتجاج منا إلى التفهم والواقعية في التعامل مع أزماتنا والحديث عنها، مما يضيع علينا فرص معالجتها من زاوية أكثر تعقيدا حين تظل الآراء بعيدة عن الحقائق، فلا نقدر حتى على تصويب أخطاء الجهة التي ننتقدها.
هناك العديد من القرارات التي تتخذ بعيدا عن تنظيم يفترض أنه مرتكز إلى رؤية عامة موضوعة ومتفق عليها بين الجهات صاحبة العلاقة جميعها، أو ضمن استراتيجية جديدة تضعها الحكومة بالتنسيق مع الأطراف ذات العلاقة، وبعض تلك القرارات ربما يتناقض أصلا مع السياق القانوني لعمل المؤسسات العامة أو الخاصة، أو مع أنظمة وتعليمات أخرى، الأمر الذي يثير التساؤل والاستغراب، ومن ثم الجدل والخلاف ليس حول القرارات في حد ذاتها وحسب، ولكن حول الطريقة التي تتخذ بها أيضا، وما ينجم عنها من أضرار آنية أو بعيدة المدى، من هنا تبدأ "فوضى الطرح” في كل شيء للأسف!