الشريط الإعلامي

“إنت فصّل.. وإحنا بنلبس”

آخر تحديث: 2019-10-06، 06:20 am
د. صبري الربيحات
اخبار البلد-
 
نقابة المعلمين غيّرت الكثير من المعتقدات والأفكار والانطباعات التي استقرت في ثقافتنا عبر مئات السنين. أكثر من مائة ألف معلم عملوا وعلى مدار أسابيع بتناغم ووضوح وانسجام على تنفيذ الأهداف التي وضعوها لأنفسهم رغم عشرات العوائق والمثبطات.
التنظيم والتماسك والانضباط كانت العوامل الأهم في كسب التعاطف وتفهم المجتمع وتجاوز العقبات والمرور عبر المنعطفات رغم حدتها وخطورتها. النتيجة الأهم لهذا الحدث النادر تمثل في كشف هشاشة الكثير من البنى وضحالة الأفكار وعدمية الممارسات التي حافظت على الواقع وحولت أبصار الناس عن البدائل وحالت دون تبدل الأحوال التي طالما أحبطت المجتمع وأورثت أبناءه الشكوى والتذمر.
في سابقة هي الأولى من نوعها يرفض أكثر من مائة ألف معلم أن يلبسوا ما حاكته لهم الحكومة ويصرّون على أن تلبي مطالبهم أو يجاب على أسئلتهم، في خطاب النقابة اجتمعت عناصر الوضوح والعدالة والانضباط. فقد كانت المطالب محددة بالعلاوة والاعتذار والإشارة دائمة إلى التباين بين رواتب أبناء النخبة والمعلم والتزام كافة أعضاء النقابة بقرارات مجلسها مصادر اكتساب النقابة لاحترام وتأييد الأردنيين وفي مقدمتهم أهالي طلبة المدارس الحكومية.
على الواجهة الأخرى بدا للجميع أن الكثير من الأشخاص الذين حلوا في مواقع مهمة لم يجهدوا أنفسهم في التفكير ولا التدبير بعد أن استسلموا لإرادة رؤسائهم والتزموا بقواعد العمل القائمة على فكرة "إنت فصّل وإحنا بنلبس”. المقولة التي أصبحت شعارا للمسايرة والإذعان تناست وتتناسى أن لحكمة ومهارة ومعرفة الخياط مهمة في تفصيل ما يناسب وأن من غير الممكن أن تفصّل الألبسة على مقاسات الجميع.
لو كنتُ معنيا بأعمال مجمع اللغة العربية لبدأت بمراجعة الكثير من المفردات والأقوال التي اشتقت لتعبّر عن أشكال وصيغ العلاقات التاريخية بين الأفراد والجماعات في فضاءات التفاعل والعيش والعمل.
إحدى أهم الأقوال التي تحتاج لمراجعة "إنت فصّل.. وإحنا بنلبس” اليوم بات واضحا أن لا أحد يقبل أن يلبس ما لا يناسب مقاساته، فالجميع منخرط في تمرين المراجعة الشاملة التي تطال كل شيء السياسة والاقتصاد والإدارة وآليات اتخاذ القرار موضع للأسئلة التي يطرحها الناس في كل المحافل واللقاءات.
الاعتقاد بأن الناس يلبسون ما يفصله غيرهم مقولة بدأت تفقد دلالاتها أو قد لا تؤخذ بالجدية التي كانت ترتبط بها، في الثقافة العربية اعتاد الناس أن يعبروا عن قبولهم وثقتهم وإذعانهم لأصحاب السلطة بالقول "أنت فصّل.. وإحنا بنلبس”.
في تلك الأوقات كان القول الصادر عن الأشخاص يحمل الكثير من المعاني والدلالات، فهو يشير إلى تنازل الناس عن حقهم في المشاركة وإدارة أنفسهم وشؤونهم وترك القرار للكبار وأصحاب الرأي والاستعداد إلى تنفيذ ما يطلب اليهم أيا كانت الشروط والمتطلبات والآثار المترتبة على القرار.
اليوم لم يعد لمقولة "إنت فصّل.. وإحنا بنلبس” المعنى والدلالة التي لازمتها فقد أصبح الناس يشككون في كل ما يقال ونوايا القائمين على الشأن العام والمقاصد الظاهرة والباطنة لها، وقد تعزز ذلك من خلال التغاضي عن مبدأ "عدم جواز حصول الشخص العام على منافع خاصة من القيام بعمله”.
الأيام القادمة ستشهد تحولا بنيويا واضحا يطال النظام الأبوي وكافة مظاهره وتجلياته فالناس سيكونون أكثر وعيا بحقوقهم وأكثر صلابة في حمايتها والدفاع عنها وأقل ثقة بصنّاع القرار، الأمر الذي قد يدفع إلى تطور إيجابي في أسلوب الإدارة والمساءلة والاختيار والاتصال.
"إنت فصّل.. وإحنا بنلبس” ستصبح مقولة بلا معنى تستذكر عند استخدامها أنها تنتمي لما قبل 2019.