الشريط الإعلامي

كيف صارت علاوة المعلمين قضية سياسية؟

آخر تحديث: 2019-09-12، 06:07 am
ابراهيم غرايبة
اخبار البلد-
 
مثل كرة الثلج المتدحرجة تحولت قضية علاوة المعلمين إلى قضية سياسية اجتماعية كبرى تتصل بالأداء الحكومي والسياسات العامة والفجوة الاقتصادية الاجتماعية الواسعة والعميقة. والحال أن الأزمة لم تعد خلافا بين المعلمين والحكومة لكنها أزمة الحكومة نفسها والتي تعكس العجز معا في السلوك الحكومي، وسواء كانت الحكومة تقصد أو لا تقصد فقد أدارت الملف باستفزازية، وعلى نحو يعكس عقلية تنتمي إلى فترة زمنية بعيدة جدا يفترض أنها اختفت، لأنه وببساطة ليس مفهوما في مرحلة تتكرر فيها الانتخابات النيابية والعامة أن يظل مسؤول لا يؤمن بالمشاركة السياسية والحقوق العامة للمواطنين.
لم تكن المسألة أولا وأخيرا سوى خلاف بين نقابة المعلمين وبين الحكومة حول علاوة على الراتب يطالب بها المعلمون، ولم تكن الحكومة تحتاج لتمنع اعتصام المعلمين، ولن يضرها الاعتصام بشيء مهما كانت النتيجة أو التسوية الممكن التوصل إليها، وليست مفهومة ولا مبررة عمليات الحشد السياسية والإعلامية التي تديرها الحكومة وكأنها تخوض معركة الوطن ضد الأعداء، فإذا كان للوطن أعداء فليس المعلمون أعداء الوطن، وإن كان للوطن أصدقاء فالمعلمون أهم أصدقائه، ما هو الانتصار الذي تسعى الحكومة لتحقيقه في هذه الحرب؟ الانتصار على المعلمين؟ إنه انتصار أسوأ من الهزيمة فلا حكومة تنتصر على مواطنيها، بل إن الحكومة أساءت إلى مكانتها وصورتها بهذه الحملة من التصريحات والحشود التي تؤشر إلى العجرفة والانفصال عن الواقع وتقلل من مصداقيتها المتدنية ابتداء، والأسوأ أنها لم تكن محتاجة ولا مضطرة إلى هذا التصعيد، وأسوأ من ذلك أنها أدارت أداءها الإعلامي والسياسي وكأنها تعمل ضد نفسها، وزادت الطين بلّة، لم يكن أداء الحكومة أفضل من حملة إعلانية ضعيفة لتسويق منتج رديء، فريق الحكومة وأنصارها لا ينتمون إلى القضية التي يناصرونها، ولا يرونها أكثر من خدمة تقدم لزبائن بأقل كلفة وجهد ممكنين، ولا يرون أنفسهم سوى مندوبي تسويق يؤدي مهمة لا يؤمن بها ولا يعرف عنها، ولا يملك أيضا مؤهلات وقيم عمله الذي يؤديه.
تقوم العلاقة بين السلطة والمجتمعات على ثلاثة مكونات؛ القوة والمصالح والمعنى، إن القوة ليست سوى آخر الخيارات المفترض ألا تلجأ إليها الحكومات، لكنها تعتمد أساسا على المنافع والفرص التي تقدمها للمواطنين والتي بدونها لا يعود لها (الحكومة) حاجة ولا مبرر، وتنشئ أيضا مجموعة من القيم والمعاني لحماية هذه المصالح والعقد الاجتماعي المنبثق عنها، مثل الخير العام والثقة والتضامن والانتماء والمشاركة والمصلحة العامة. لكن الحكومة حولت قضية المعلمين إلى مواجهة بينها وبين المواطنين، وكان في مقدورها ان تجعلها قضية نقابية وخلافا حول مطالب مهنية لا أكثر ولا أقل، وظهرت في حالة عزلة عميقة وعداء مع المواطنين وقدمت نفسها على نحو مسيء.
الأمم اليوم؛ جميع الأمم أوقفت الحروب والصراعات الداخلية والخارجية؛ أو تسعى لأجل ذلك بل وتتحول من القيم والأيديولوجيات الوطنية والقومية إلى التشكل حول المكان والمشاركة في العالم والتقبل المتبادل مع جميع الناس والعيش معا مختلفين ومتنوعين وقادرين على التعاون والتنافس في آن معا، ولم يعد للأمم المتقدمة أو التي تسعى الى التقدم أعداء سوى الظلم والفقر والحرمان والتهميش والاحتكار والامتيازات، ولم يعد لها أنصار سوى الكرامة والحريات والتعليم والصحة والتكافل الاجتماعي والتقدم والازدهار.
تفشل الحكومات حتما حين لا تستوعب المواطنين أو حين لا تستطيع أن تحول فئة منهم إلى مواطنين أو حين تحولهم إلى غير مواطنين.