الشريط الإعلامي

من المستهدف في تفجير مبنى رئاسة الوزراء في عمان عام 1960؟

آخر تحديث: 2019-08-29، 06:28 am
علي سعادة
اخبار البلد-
 
في صبيحة يوم 29 أب 1960، اغتيل رئيس وزراء الأردن هزاع المجالي بانفجار ضخم، حيث كان يستقبل في مبنى رئاسة الوزراء بعمان كل يوم اثنين من كل أسبوع المواطنين لتلبية مطالبهم وحل مشاكلهم، وأدى الانفجار الذي هز المجتمع الأردني إلى استشهاد المجالي وعدد من كبار الموظفين كان من بينهم أمين عام وزارة الخارجية زهاء الحمود وعاصم التاجي ومدير مكتبه ممدوح إسحاقات.
واستشهد أيضا بعض المواطنين من بينهم شيخ مشايخ الكرك جمال اعطوي المجالي ومحمد سلامة المجالي، ونجا من الانفجار بفارق دقائق الملحق الدبلوماسي زيد الرفاعي.
كان الملك الراحل الحسين بن طلال سيزور رئاسة الوزراء قبل الانفجار بقليل، ويبدو أنه كان المستهدف من عملية الاغتيال وليس رئيس الوزراء المجالي.
ووفقا للتحقيقات وجلسات المحكمة فقد وضع التفجيرات مراسلان يعملان في الرئاسة هما شاكر الدباس وكمال شموط تم تجنيدهما من قبل الرجل الثاني في سوريا عبدالحميد السراج، وكان الهدف تصفية الملك الحسين بسبب "حلف بغداد"، واستكمالا لسيناريو إسقاط العائلة المالكة في العراق وإقامة الجمهورية العراقية، وجاء في خضم الصراع بين الراحلين الملك الحسين بن طلال والرئيس جمال عبدالناصر.
ووفقا للتحقيقات الأردنية فقد قام شموط والدباس بزرع القنبلة في مكتب رئيس الحكومة المجالي ليلا، بعد أن أدخلا المتفجرات في كيس البريد السياسي، ثم فرا بسيارة إلى سوريا ووصلا دمشق قبل أن تنفجر القنبلة في صباح اليوم التالي.
ونفذ حكم الإعدام بأربعة أشخاص ألقي القبض عليهم من بين نحو 11 متهما حوكموا غيابيا وتم شنقهم في ساحة الجامع الحسيني بوسط العاصمة عمان.
كانت نظرة الناس للسراج بأنه "لا يرحم" فقد عين عام 1955 رئيسا للمخابرات السورية، وترأس التحقيقات ضد "الحزب القومي السوري". وأثناء الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958 شغل منصب وزير الداخلية ورئيس المكتب التنفيذي للإقليم الشمالي.
قام السراج بتنظيم جهاز الشرطة والأمن في سوريا وفرض عليها حكما بوليسيا، وعينه جمال عبد الناصر نائبا له، لكنه ما لبث أن استقال عام 1961.
وعند انفصال الوحدة ألقي القبض عليه وأودع سجن المزة في دمشق، إلا أن جهاز المخابرات العامة المصرية تمكن من تهريبه من السجن ونقل إلى بيروت ثم إلى القاهرة، وبقيت علاقته بالرئيس الراحل جمال عبد الناصر متميزة حتى وفاته عام 2013.
جريمة اغتيال المجالي كانت لأسباب سياسية بحتة وليس جنائية، ولا يزال الملف يحمل الكثير من الشكوك رغم مرور نحو 60 عاما على الاغتيال.
وأسس المجالي مع عدد من النواب في البرلمان الأردني "الحزب الوطني الاشتراكي"، وشارك بعدها في حكومة توفيق أبي الهدى بمنصب وزير العدل في وقت كانت فيه الحرب الإعلامية بين القاهرة وعمان في أوجها.
وما لبثت الحكومة أن قدمت استقالتها، وشكلت حكومة جديدة برئاسة سعيد المفتي وكان هزاع المجالي وزيرا للداخلية فيها، وذهب في هذه الفترة على رأس وفد اقتصادي إلى بغداد، للحصول على قرض مالي لتمويل عدة مشاريع.
وجرى ذلك تزامنا مع زيارة الجنرال البريطاني جيرالد تمبلر إلى الأردن، وأجرى مفاوضات مع المسؤولين الأردنيين حول الانضمام لـ"حلف بغداد"، وعلى أثر هذه المفاوضات استقالت حكومة المفتي وعهد إلى المجالي بتشكيل الحكومة الجديدة، ولم تمهل إذاعة "صوت العرب" الحكومة وقتا كافيا، فبدأت ببثت الأخبار والتقارير عن قيام مظاهرات وسقوط قتلى وجرحى في عمان وغيرها من المدن الأردنية.
لكن الواقع أن تعليمات المجالي كانت صريحة، وتقضي بعدم استعمال القوة ضد أحد، وحتى عند تأزم الموقف وضغط البعض باستخدام العنف إلا أنه رفض  وتوجه الى القصر وقدم استقالته، ولم يمض على تشكيل حكومته سوى ستة أيام  فقط.
لكن المجالي عاد عام 1959 وشكل حكومته الثانية، وبقي رئيسا للوزراء حتى تاريخ اغتياله.
وضمن سياق عملية الاغتيال ألقي القبض على مدبري الاغتيال، ونفذ حكم الإعدام بحقهم، وبموجب أمر دفاع أردني صادرت الحكومة الأردنية أملاك الاقتصادي وأكبر تاجر لحوم في الأردن وهو زكريا الطاهر بعد الحكم عليه بالإعدام بتهمة التخطيط لتفجير مبنى رئاسة الحكومة، وكان وقتها يقيم في القاهرة.
وضمن قوانين عفو أصدرها الملك الراحل الحسين بن طلال عاد الطاهر الى البلاد، وعاد أيضا الضابط نذير رشيد الذي أصبح فيما بعد مديرا للمخابرات، ولم يزاول الطاهر أي نشاط سياسي في الأردن، وبدلا من ذلك رفع عام 1969 بوساطة المحامي الشهير الراحل إبراهيم بكر قضية على الحكومة طالبها فيها بإعادة أملاكه المصادرة، وتشمل قطعة الأرض المقام عليها مبنى الحكومة الحالي  بالدوار الرابع الذي يشكل حاليا تجمعا للمعارضة.
كما رفع الطاهر قضية لتبرئته من تهمة تفجير مبنى الحكومة واغتيال هزاع المجالي، مؤكدا أن نذير رشيد يعرف المجرمين: وهما يقيمان في المنصورة بمصر، وأن الأربعة الذين أعدموا في عمان كانوا أبرياء.
الطاهر توفي عام 2007، وبعد صدور حكم بإعادة مبنى رئاسة الوزراء لمالكه الأصلي في عهد حكومة المهندس علي أبو الراغب، حكمت المحكمة بتعويضه ثمانية ملايين دينار تقريبا، وترافع في القضة واحد من اشهر المحامين في الأردن وهو فهد أبو العثم، ولم يستلم الطاهر شيئا من أملاكه، فقد صدر في نفس اليوم كتاب من رئاسة الوزراء بتغريمه نفس قيمة المبلغ عن ضرائب سابقة، وبالتالي لم يحصل على أي تعويض
أو متر واحد من أرضه.
وبعد عقود من اغتيال المجالي، انخرط أبناؤه في الحياة السياسية الأردنية، فقد انتخب اثنان منهما أعضاء في مجلس النواب، هما أيمن وأمجد، كما تولى ابنه حسين منصب وزير الداخلية.