الشريط الإعلامي

ليست مجرد عظام... لماذا تهتم الدول باستعادة "الرفات" وما سر هذا الحرص الشديد

آخر تحديث: 2019-08-06، 07:03 am
اخبار البلد-
 

في الأيام القليلة الماضية، كانت قضية استعادة الرفات أبرز ملفات السياسة الخارجية بين العراق والكويت، وبين إيران والعراق وأكثر ما يشغل وسائل إعلام البلدان الثلاثة.

البيانات الرسمية تقول إن السلطات الإيرانية سلمت العراق رفات 54 جنديا، فيما قام العراق بتسليم إيران رفات 36 جنديا قضوا في الحرب التي خاضها البلدان في ثمانينيات القرن الماضي. 
كما تقدمت الكويت بطلب رسمي لاستعادة رفات جنودها الذين عثر عليهم في مقبرة جماعية بمحافظة المثنى العراقية، واستجابت السلطات العراقية للطلب.
وهو الحال بالنسبة إلى الحرب الكورية التي اندلعت بين عامي 1950 و1953 إذ تجري محادثات بين الأطراف التي خاضتها بما في ذلك الصين والولايات المتحدة الأمريكية على استعادة الرفات.
ولكن أوليست عظاما نخرة؟ لماذا إذن كل هذه المحاولات والجهود لاستعادة الرفات؟ وما سر هذا الحرص الشديد على استرجاعه؟

 

أهمية ثقافية ودينية

قد تتقدم دولة، في بعض الحالات بمطالبة إعادة الرفات، إما باسم جماعة معينة أو باسم كل مواطنيها، وقد يتسم الرفات بأهمية ثقافية معينة لجماعة ما، مثل كونه من عائلة هامة أو يمثل قتلى حرب أو ضحايا لحدث معين مثل مذبحة من المذابح.

وقد تكون المطالبة لأسباب دينية أو روحية أو بدافع من الرغبة في دفن الأسلاف على أرض الآباء والأجداد أو على أساس حدوث انتهاك لحقوق الإنسان أو لتصحيح مظالم سابقة متصورة.

معاملة خاصة

وتنص الاتفاقيات الدولية على ضرورة عدم انتهاك رفات الأشخاص الذين توفوا بسبب الاحتلال أو في أثناء الاعتقال الناجم عن الاحتلال أو الأعمال العدائية وكذلك رفات الأشخاص الذين توفوا بسبب الاعمال العدائية في بلد ليسوا من رعاياه.

كما توجب الحفاظ على مدافن هؤلاء الأشخاص جميعا وتسهيل وصول أسر الموتى وومثلي الدوائر الرسمية لتسجيل القبور إلى تلك المدافن وتأمين حمايتها وصيانتها بصورة مستمرة، وتسهيل عودة رفات الموتى وأمتعتهم الشخصية إلى وطنهم إذا ما طلب هذا البلد أو طلبه أقرب الناس إلى المتوفى ولم يعترض هذا البلد.

حارس للجسد

يحرص الإسرائيليون على استعادة رفات موتاهم، لأن الديانة اليهودية لديهم تقول بأن الإنسان حارس جسده وليس سيده، وترفض كل تعرض لهذا الجسد، وتذهب في رفضها هذا إلى تحريم تشريح جثة الميت، إذ يرون أن الروح ترتبط ارتباطا وثيقا بالجسد.

رفات عمرها 40 عاما

قبل شهور، حطت طائرة "العال" الإسرائيلية في مطار تل أبيب، حاملة رفات جندي إسرائيلي فقد في معركة السلطان يعقوب في الحرب على لبنان في العام 1982، والتي دارت بين الجيشين السوري والإسرائيلي، وقتل فيها 30 جنديا إسرائيليا، بينما بقي مصير 3 إسرائيليين غير معروف.

ومنذ ذلك التاريخ، نشطت الاستخبارات الإسرائيلية خلال هذه الأعوام في جمع معلومات عن موقع رفات المفقودين، ونجحت أخيرا في استعادة رفات أحدهم، إذ سلمت وزارة الدفاع الروسية رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، رفات الجندي المفقود في مبنى وزارة الدفاع الروسية لدفنه في وطنه، وقال الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في هذه المناسبة: "جنودنا والسوريون عثروا على جثة زخاريا باول، وثمة أهمية لأن تتمكن عائلته من وضع باقة زهور على قبره"، وجرت عملية التسليم في مشهد احتفائي يثير الدهشة.

الفراعنة وتقديس الجسد

 

وبرع الفراعنة المصريون في عمليات الحفاظ على الجسد، عن طريق البراعة في الطب والتحنيط، والتي أبقت هياكل أو رفات الموتى حتى اليوم من آلاف السنين كما هي، وذلك لاعتقادهم بأن الروح ستعود للجسد من جديد، وأن هناك حياة أخرى بعد الموت، وأن عدم بقاء الجسد قد يمنع عودة الحياة من جديد، لذا كانت طقوس الدفن من أولويات الفراعنة، وجرى توثيقها على جدران المدفن، تحكي عن الحياة الأخرى أو قيامة ما بعد الموت.

 

تضميد جراح التاريخ

وتعتبر إعادة الرفات البشري إلى حد ما جزءا من عملية استشفاء لتضميد الجراح الناجمة عن صدمات التاريخ. وبشكل جوهري، من الضروري أن يتم التعامل مع هذا التعامل السيئ، ولكن من خلال إعادة الرفات ودفنه.

كما توفر الإعادة كذلك الفرصة للأشخاص للمطالبة بالاستحواذ على تاريخهم، وتقرير، بشكل فعال، ما يمثل وما لا يمثل جزءًا من إرثهم الثقافي، والأساس وراء جروح التاريخ المفتوحة هو الفرق في التعامل مع الرفات الذي ينظر إليه على أنه مختلف بدرجة كافية، وبالتالي يمكن دراسته بدون أي اعتبارات أخلاقية

600 معتقل كويتي

وفي تعليقه على إعلان العراق اكتشاف مقابر جماعية قد ترجع لكويتيين، إبان دخول العراق للكويت، قال الإعلامي العراقي بشير أحمد الصبيح لـ"سبوتنيك": "نحن كعراقيين ليس لدينا هدف سوا عودة رفات الأسرى إلى ذويهم وبيان صدق النيه بين الشعبين الكويتي والعراقي، أما السياسيين يبحثون عن صفقات وأموال مقابل البحث والكشف عن رفات الأسرى الكويتيين".

مساومات وتصدير أزمات

 

وعزا عبد القادر النايل، المحلل السياسي العراقي، عملية البحث عن رفات الكويتيين والإعلان عنها في هذا التاريخ وبهذا الشكل الإعلامي إلى المساومات السياسية والتأثيرات التي فرضها الدعم الكويتي المالي لبعض الأحزاب والتجمعات السياسية التي أعطت كثير من المناطق المتنازع عليها لصالح الكويت، ومنها خور عبد الله، وحقول النفط المشتركة على الحدود الكويتية مع البصرة.

 وأضاف "النايل" لـ"سبوتنيك": "من ناحية أخرى هناك مشاكل كويتية داخلية وهذا الموضوع يعاد إثارته من أجل تصدير الأزمات الداخلية، وتذكير الشعب الكويتي بالخطأ الذي ارتكب أثناء اجتياح العراق للكويت بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، والتي لعبت الكويت دورا في استهداف الاقتصاد العراقي، ما أوصل التوتر القائم بين الجانبين إلى مرحلة الغليان".

طقوس يهودية

 

قال الدكتور، محمد فتحي عمارة، الباحث الفلسطيني في الشؤون الإسرائيلية: "من الناحية الدينية لا يمكن أن تتزوج يهودية من آخر دون تحديد أو معرفة مصير زوجها، ودفنه بنفسها، إذ من المعروف أن أحد الطقوس الدينية للزوج أو الزوجة اليهودية دفن الطرف الآخر، وهو ما يمنح الزوج أو الزوجة حق الزواج فيما بعد، دون ذلك يستمر الوضع إلى أن تعود رفات الزوج".

 

وأضاف عمارة لـ"سبوتنيك": "من الناحية السياسية عودة رفات الجنود أو الأسرى أحد أولويات أي حكومة إسرائيلية، سواء حكومة بنيامين نتنياهو أو غيره من السياسيين، إذ ينادي، دوما، أهالي وذوي هؤلاء الأسرى والمفقودين الإسرائيليين على المناداة بعودة ذويهم، وهو ما يمكن استغلاله من قبل نتنياهو نفسه، إذ يمكن أن يتقرب لناخبيه في مثل هذا الوقت، لجذب المزيد من المؤيدين، خاصة وأنه يحتاج إلى أصوات كبيرة وضخمة حتى يتمكن من تشكيل حكومة أو ائتلاف جديد".

أكثر قداسة من الإله

وتابع الباحث في الشأن الإسرائيلي: "صرح أحد الحاخامات أن المقبرة أكثر قداسة من المعبد اليهودي، أي أن المكان الذي يدفن فيه اليهودي أكثر قداسة من المكان الذي يعبد فيه الإله، ولعل هذا الاهتمام الزائد بجثمان الميت يفسر اهتمام الدولة "الصهيونية" بجثث الجنود القتلى الإسرائيليين، ومن هنا محاولاتها المستمرة في استرداد جثث القتلى الإسرائيليين في سيناء أو في جنوب لبنان وأخيرا في غزة، على حد قوله.