الشريط الإعلامي

تركيا والاتحاد الأوروبي: إشكاليات التقارب وعقبات العضوية

آخر تحديث: 2019-08-03، 06:05 am
حسين معلوم


على رغم أن الإتحاد الأوروبي في حاجة إلى تركيا، لمواجهة الارتدادات السلبية للأزمات الإقليمية، وتحديداً في منطقة شرق المتوسط، بخاصة موجات اللجوء والهجرة غير الشرعية، إلا أن سياق العلاقة بينهما لم يشهد هذا الكم من الأزمات، في أي مرحلة مضت، كما في المرحلة الحالية. بل إن التباين في التعامل مع ملفات داخلية، وإقليمية متعددة، يجعل فُرص التقارب بين تركيا والاتحاد الأوروبي تتضاءل يوماً بعد يوم، ويزيد من العقبات التي تحول دون حصولها على العضوية الكاملة في الاتحاد.


والواقع، أن مؤشرات كثيرة ساهمت في هذا التراجع، وربما التنافر بين الجانبين، على نحو تبدى في تقرير المفوضية الأوروبية، الصادر في حزيران (يونيو) الماضي، الذي أكد أن "تركيا انحرفت عن قيم ومبادئ الاتحاد الأوروبي، في حين يتعين أن تكون سيادة القانون والعدالة والحقوق الأساسية على رأس أولويات الدول المُرشحة للانضمام". بناءً على ذلك، جدد التقرير الدعوة إلى تعليق التفاوض مع أنقرة في شأن انضمامها إلى التكتل الأوروبي.

هذه الدعوة لم تنفرد بها المفوضية الأوروبية؛ إذ سبقها إلى ذلك قرار البرلمان الأوروبي، في آذار (مارس) الماضي، الذي أكد الدعوة ذاتها: "تعليق مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد".
 

وفي ما يبدو، فإن قرار البرلمان الأوروبي لا يرتبط بالسياسات التي تتبناها أنقرة في شأن تقييد المجال العام فقط، أو العواقب المترتبة على التدخلات التركية في الأزمات الإقليمية المختلفة وحسب؛ إذ، توحي التوجهات الأوروبية بأن المنحى العام لدوائر صنع القرار، يؤشر إلى الفكرة ذاتها: "تعليق التفاوض".

يكفي أن تستدعي الذاكرة، هنا، تصريح المستشارة الألمانية أنجيلا مركل في أيلول (سبتمبر) 2017، بأن "تركيا يجب ألا تصبح عضواً في الاتحاد الأوروبي؛ وكذلك دعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أنقرة في كانون الثاني (يناير) 2018، إلى التخلي عن الحلم الأوروبي مقابل شراكة استراتيجية؛ وأخيراً، "قمة فارنا" في بلغاريا التي جمعت الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، مع عدد من القادة الأوروبيين، وانتهت من دون إحراز تقدم ملموس في ملف العضوية الكاملة لتركيا في الاتحاد.

يعني ذلك أن ثمة إشكاليات تقف أمام المحاولات التركية في التقارب مع الإتحاد الأوروبي؛ يأتي في مقدمها، إشكالية الانعطاف التركي شرقاً، وتحديداً إلى روسيا. وتتبدى هذه الإشكالية عبر منظور هذا الانعطاف، فهو ليس مجرد تنسيق سياسي، أو تشارك اقتصادي، بل هو تعاون عسكري يُعبر عن مدى التقارب الاستراتيجي لأنقرة مع موسكو، وتعميق العلاقات التسليحية معها، عبر صفقة منظومات "إس 400" الصاروخية.

وبصرف النظر عن تصريحات المسؤولين الأميركيين بأن هذه الصفقة يتم توظيفها في كشف أسرار تكنولوجيا الأسلحة الأميركية الموجودة في نطاق دول "الحلف الأطلسي"، فإن اتباع تركيا سياسات تتناقض مع التزاماتها التحالفية، لا بد أن يسبب لها مشكلات مع دول الحلف، ومنها الدول الأوروبية، خصوصاً الكبرى منها، التي تعتبر الصفقة تقويضاً للأساس السياسي والاستراتيجي للحلف.

ضمن الإشكاليات أيضاً، تأتي الانتهاكات التركية المتكررة للمياه الإقليمية والمجال الجوي لليونان وقبرص؛ فهناك الأزمة مع اليونان حول بحر إيجة، إضافة إلى إصرار أنقرة على مواصلة عمليات التنقيب عن النفط والغاز في المنطقة الاقتصادية الخالصة لجزيرة قبرص، من دون تقنين حدودها البحرية وترسيم مناطقها الاقتصادية، بالتوازي مع التلويح التركي برد عسكري ضد الدول التي تحاول منعها من مواصلة تلك الأنشطة. وهو ما أدى إلى إقرار قمة الاتحاد الأوروبي الأخيرة في 20 حزيران (يونيو) الماضي، بضرورة فرض عقوبات "مؤلمة" على تركيا إذا لم توقف عملياتها "غير القانونية"، اعتماداً على أن الانتهاكات التركية، التي تُثير التوتر في حوض شرق المتوسط، تمس دولاً أعضاء في الاتحاد.

هذه الإشكاليات وغيرها، ساهمت، ولا تزال، في تضاؤل فرص التقارب بين أنقرة والاتحاد الأوروبي، فضلاً عن العقبات التي لا تجعل، فقط، هذا التقارب بعيد المنال؛ بل، وهذا هو الأهم، يمكن أن تُبدد الحلم التركي في الانضمام إلى الكتلة الأوروبية.

ربما تُمثل ورقة المهاجرين السوريين إحدى هذه العقبات، خصوصاً أن تركيا، التي تستضيف أكثر من 3.6 مليون سوري، وهو أكبر عدد من اللاجئين السوريين، تحاول استثمار هذه الورقة للضغط على الاتحاد الأوروبي.

صحيح أن أنقرة استفادت من توقيع اتفاق مع الاتحاد في آذار (مارس) 2016، يقضي بمنحها مساعدات قيمتها ستة بلايين يورو، لمنع اللاجئين من محاولة الوصول إلى أوروبا؛ إلا أن استمرارها في محاولة "ابتزاز" الاتحاد، دفع المفوضية الأوروبية إلى اتخاذ قرارها في 27 أيلول (سبتمبر) الماضي، بتخفيض قيمة هذه المساعدات بنسبة 40 في المئة خلال الفترة 2018-2020، بسبب عدم إحراز أنقرة أي تقدم في خصوص "معايير كوبنهاغن" المطلوبة لنيل العضوية الكاملة للاتحاد.

و تأتي الانتقادات الأوروبية الموجهة إلى أنقرة، في خصوص المبادئ الديموقراطية وحماية الحريات واحترام حقوق الإنسان، لتُمثل عقبة أخرى تحول دون انضمام تركيا إلى العائلة الأوروبية؛ وهو ما تجلى في معارضة الاتحاد الأوروبي التحول التركي إلى النظام الرئاسي، بموجب التعديلات الدستورية التي شهدتها البلاد في عام 2017؛ وأيضاً في التحذيرات الأوروبية في شأن الخلل الحاصل في العلاقة بين مكونات المنظومة الأمنية التركية، بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة التي شهدتها تركيا منتصف العام 2016.

وتأتي أخيراً أهم تلك العقبات جميعاً، والتي تتعلق بالعامل الديموغرافي؛ إذ إن معدل النمو السكاني في تركيا، البالغ عدد سكانها ما يُقارب 80 مليون نسمة، والمتوقع أن يصل إلى 100 مليون خلال السنوات القليلة المقبلة؛ هذا المعدل، سوف يزيد من وزن تركيا في عملية التصويت حال دخولها البيت الأوروبي، وهو ما قد يُمثل خصماً من وزن ألمانيا وتمثيلها، والتي تحتل المرتبة الأولى سكانياً بين دول الاتحاد. ولعل العامل الديموغرافي، هذا، يتقدم الأسباب الدافعة إلى تصريحات المستشارة الألمانية بعدم قبول تركيا داخل الاتحاد، وكذلك تصريحات الرئيس الفرنسي بضرورة "تخلي تركيا عن الحلم الأوروبي"، والاكتفاء بصيغة الشريك المميز.

في هذا السياق، يبدو أن علاقة تركيا بالاتحاد الأوروبي باتت تحمل سمة "التشاحن" السياسي، أكثر من اعتمادها على تقاطعات المصالح الاقتصادية والجيوسياسية.. فهل ترضخ تركيا إلى مطالب الاتحاد، خصوصاً أن الاستثمارات الأوروبية تُمثل ما يُقارب 60 في المائة من جملة الاستثمار الأجنبي في تركيا؟ أم تتوجه شرقاً نحو روسيا، على رغم أن الأخيرة لا يمكن أن تعوضها مميزات التقارب مع أوروبا؟ أم تحاول الانضمام إلى "منظمة شنغهاي للتعاون"، التي تضم روسيا والصين وإيران، فتضع نفسها تحت مقصلة الضغوط الأميركية، والدعوات الغربية إلى إخراجها من "الحلف الأطلسي"؟