الشريط الإعلامي

عناصر تحصين الجبهة الداخلية

آخر تحديث: 2019-07-10، 06:08 am
مروان المعشر
أصبح الحدیث عن ضرورة تحصین الجبھة الداخلیة أشبھ بالأسطوانة المشروخة، یتم استخدامھ من قبل الكثیر من القوى والأشخاص الراغبین في الإصلاح وغیر الراضین عن غیاب سیاسات واضحة في ھذا الاتجاه، كما یتم تجاھلھ من السلطة التنفیذیة باعتباره في رأیھا مجرد رغبات نخبویة لا تعبر عن المزاج العام. أما في ضوء ما یتعرض لھ الأردن من تحولات في مواقف حلفائھ الخارجیین التقلیدیین، ومن تداعیات ما یدعى بصفقة القرن على الساحة الداخلیة الأردنیة، لم تعد الدعوة لتحصین الجبھة الداخلیة ترفا نخبویا ان كانت یوما كذلك، بل ضرورة وطنیة لإسناد الموقف الأردني الرافض لھذه الصفقة ونتائجھا الكارثیة على البلاد. وإذا أخذنا بعین الاعتبار امكانات الأردن المحدودة سیاسیا واقتصادیا، فأقل الإیمان ان تكون الجبھة الداخلیة متماسكة وموحدة، لیس فقط لمواجھة مثل ھذه المشاریع، بل أیضا لوضع البلاد على سكة الاستقرار والازدھار المستقبلیین. یتطلب تحصین الجبھة الداخلیة العدید من الإجراءات. ھناك حاجة لوجود مطبخ سیاسي وطني یمثل اتجاھات متعددة من اصحاب الخبرة السیاسیة، یساھم في دراسة كل التبعات بموضوعیة وحكمة، ولا یتوانى عن تقدیم النصیحة المجردة من الاعتبارات الوظیفیة أو المصالح الشخصیة. ان التغیرات الخارجیة والداخلیة التي یمر بھا الأردن تستدعي وجود مثل ھذا الجسم الاستشاري الذي قد یتضمن عناصر من الحكومة ولكنھ لا یتوقف عندھا، والذي یستطیع تجمیع الخبرات السیاسیة الغنیة لدینا ویوظفھا للتقییم المستمر للسیاسات الأردنیة وكیفیة تعاملھا مع المستجدات. من إحدى مھام ھذا المطبخ اعادة تقییم العلاقة الأردنیة الاسرائیلیة، بكل موضوعیة وبعیدا عن العواطف، ضمن إطار المصلحة الأردنیة العلیا وما تقتضیھ وفقا للمستجدات. ان العلاقة مع إسرائیل قررت سابقا وفقا للاعتقاد انھا ستساھم في إنھاء الاحتلال الاسرائیلي وإقامة الدولة A A A أفكار ومواقف الفلسطینیة على التراب الفلسطیني، ووفقا لقرار عربي ذھب بموجبھ الأردن إلى مدرید إلى جانب الفلسطینیین وسوریة ولبنان. أما وقد اصبح واضحا ان لیس ھناك نیة اسرائیلیة لإنھاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطینیة، فلا یجوز ان تبقى المقاربة الاردنیة معتمدة على معطیات سابقة استنفدت، خاصة ونحن نشھد سیاسة اسرائیلیة تصب مباشرة ضد المصلحة الأردنیة العلیا إذا ما تم وأد حل الدولتین وبالتالي حل النزاع على حساب الأردن. من الضروري بمكان ان یخضع التقارب مع إسرائیل، بما في ذلك اتفاقیة الغاز، لإعادة تقییم جذریة. من الضروري أیضا اعادة تقییم الاعتقاد ان الأردن لا یستطیع رفض أي طلب أمیركي بسبب علاقتھ مع الولایات المتحدة. یثبت التاریخ انھ في المرات التي شعر فیھا الأردن بتھدید وجودي، لم یتوان عن رفض الطلبات الامیركیة، وما حرب الخلیج الأولى الا واحدة من الشواھد العدیدة على ذلك. وفوق كل ذلك، لا بد من تقییم جاد لأثر التشدد في فتح الفضاء السیاسي وفیما إذا حقق أو سیحقق الاستقرار المنشود. غني عن القول ان تحصین الجبھة الداخلیة لن یتحقق دون البدء بإصلاح سیاسي حقیقي یشعر المواطن انھ شریك حقیقي في صنع القرار، ولن تستطیع مثل ھذه الجبھة دعم الموقف الرسمي من صفقة القرن بفاعلیة الا من خلال تقویة المؤسسة التشریعیة والإسراع في الوصول لحكومات تستمد شرعیتھا من الإرادة الشعبیة. للأسف، فإن كل تصریحات السلطة التنفیذیة لا تشیر إلى إیلاء ھذا الموضوع أي اھتمام حقیقي، وكأننا لسنا في أزمة على الإطلاق. لا یجوز ان یبقى تحصین الجبھة الداخلیة شعارا نرفعھ للاستھلاك الداخلي. فالوضع الداخلي لم یعد یحتمل الشعارات، بل ھو في حاجة ماسة لعمل جاد ومستدام. ھكذا فقط نحمي ھذا البلد.