الشريط الإعلامي

بترٌ لبعض الصحف وجسدٌ حكومي صحفي لم يتداعى لها بالإنقاذ والحُمّى

وأد الصحافة الورقية الأردنية..كيف استطاعت الصحافة الإلكترونية دفنها حية؟

آخر تحديث: 2019-06-15، 11:06 am

أخبار البلد – مصطفى صوالحه

غيّرت منصات التواصل الاجتماعي -بالفعل- الطريقة التي يتفاعل المستهلك من خلالها مع مختلف وسائل الأخبار، والآن تأثيرها الأكبر يمتد حتى الصحف الورقية، وكما كُنا نرى في الأيام والسنوات السابقة، فإن الناس كانوا يعتمدون كثيرًا على الصحيفة لمعرفة ما يحدث حولهم من أحداثٍ وقضايا، إذ إنها السبيل الوحيد المعرفة حقيقة خبرٍ ما وأنه ليس إشاعة، حتى أنهم اعتادوا انتظار صدور الصحف وحملها إلى مكاتب عملهم ومنازلهم وأثناء انتظارهم وسيلة نقلٍ عامة توصلهم إلى وجهتهم.

لكن عندما يكون هناك تغيير جذري في التكنولوجيا ، فإن الطريقة التي تُعالج بها الهواتف الذكية مساحة سوق الأخبار؛ ستكون سببًا في تناقص الاهتمام تجاه الصحف الورقية، إذ إن المستهلكين لا يُبدون أي إهتمامٍ لشرائها، لتبدو لنا ورق الصحف على أبواب المحال التجارية كالأكوام المتراصة فوق بعضها البعض، جبلٌ من الأوراق لم يعد يأبه به أحد.

من المشاكل التي تعاني منها الصحافة الورقية هي أنها لم تنجح في مواكبة منصات التواصل الاجتماعي التي باتت جزءًا مُهمًا للعديد من الصُحف الإلكترونية كمصدرٍ مُتجدد وحيوي للأخبار، المشكلة الأخرى هي، لجوء المستهلك للصحافة الإلكترونية عوضًا عن الورقية لإنها مجانية، فهو لن يدفع قرشًا واحدًا من أجل تصفح الأخبار على أحد المواقع الإلكترونية، كما أن الصحافة الورقية تأتي لمرةٍ واحدة في اليوم، صباح كل يوم، وفي حين أن المستهلك يتعرض للعديد من الأخبار التي يشاهدها أثناء تصفحه المنصات الرقمية.

وبسبب ذلك نجد أن المستهلك التقليدي –والذي احتضر هو الآخر- ينتظر يومًا كاملًا حتى يقرأ خبرًا أشبعته الصحافة الإلكترونية تحليلاتٍ وتعليقاتٍ وتصريحات، الأمر الذي كان سببًا في بحث الصحافة الورقية عن عددٍ من الخيارات التي يُمكن أن تُقلل من خسائرها جرّاء عملية الطباعة وأجور العاملين وتكاليف إصلاح الأعطال وشراء الطابعات الحديثة، لتخرج لنا الصحف الورقية بمواقع إلكترونية تعمل على نشر ما لم يُنشر في الصحيفة الورقية، فالصيغة مختلفة، ونوع المادة الصحفية المنشورة يختلف عن تلك التي نُشرت في الورقية، أو ربما نقرأ خبرًا آني وحديث، وهو ما كانت تعاني منه الصحف اليومية.

صحيفة العرب اليوم

صحفٌ أردنية لم تنجح في مواكبة التطور التكنولوجي، وفي حال واكبته، فإنه مواكبتها له جاء متأخرًا، صحيفة العرب اليوم، والتي أغلقت أبوابها بسبب أزمةٍ ماليةٍ اعتصرتها كما تعتصر الأفعى فريستها، لنجد أنها قد اختنقت ولم تعد قادرة على التنفس، مِمَّا كان من السهل ابتلاعها، ترتيب أوضاع الصحيفة الداخلية وتعليق صدورها لستين يومًا فقط، كان العنوان الذي يُمكن أن يكون مريحًا لموظيفها.

وفي بيانٍ أكد التزام الصحيفة بكامل حقوق العاملين بها وأنها ستقوم بتعويضهم عن مدة التعليق بعد عودة الصدور، نجد أن هناك نكبة قد حلّت على الصحيفة، نكبةٌ ماليةٌ على حد وصف ناشر الصحيفة، إلياس جريسات، مُحملًا الحكومة -في حينها- جزءًا من المسؤولية لرفضها التخفيف من الضرائب والرسوم المفروضة على الصحف.

اعتصامٌ وإغلاقٌ للطرق، أدى ذلك إلى تولد مشهدٍ متوتر أوقفت الأجهزة الأمنية بسببه عددٌ من الأشخاص لإغلاقهم الطريق الرئيس أمام الصحيفة والواصل بين شارع الجامعة الأردنية ووسط العاصمة عمّان.

رئيس تحريرها، نبيل غيشان، تحدث عن سلسلةٍ طويلةٍ من الخسائرالتي تعرضت لها الصحيفة وأن إغلاقها لم يأتي نتيجة السقف السياسي المرتفع والذي ساعدها في الكشف عن ملفات فساد خطيرة، لافتًا إلى عدم تدخل أي جهةٍ في البلاد لوقف ضخ الحياة في صحيفة العرب اليوم، والتي لم تعد تتحدث عن عرب الأمس أو حتى الغد، فقد أقفلت أبوابها.

صحيفة السبيل

وشأن الصحف اليومية الأردنية الأخرى، تحدياتٌ ليس من السهولة التخلص منها بأقل الخسائر، وفي كل صحيفة هناك الأسباب الكامنة وراء تعرضها للإنهيار ولربما الموت البطيئ، الأكثر ألمًا وأشد وطأة.

البعض يقول إن الصحيفة السبيل تُمول من قبل "جماعة الإخوان المسلمين"، وأنها من يتحكم في سياسية الصحيفة إلى جانب تولي إدارتها، إلا أن ذلك قد يكون عارٍ عن الدقة والصحة، حتى أن كادر الصحيفة من كتاب وصحافيين لا علاقة تربطهم من قريبٍ أو بعيد بـ"الجماعة" أو بأي تنظيمٍ أو حزب، إلا أن التنظيم الوحيد الذي ينتمون إليه هو "نقابة الصحفيين الأردنيين"، إلا أن البعض يُصر على اعتبارها صحيفة حزبية.

"السبيل" ووفقًا للكاتب، علي سعادة، لا تؤمن  بسياسة الردح وتصيد الأخطاء، بل إنها لا تفكر أبدًا في الابتزاز أو الانتقام ممن يحاصرونها ماليًا وتسويقيًا، وتحديدًا في مجال الإعلانات، كما أنها لا تتلقى دعمًا ماليًا، مباشرًا أو غير مباشر من أي جهة، بالإضافة إلى حرمانها  بشكلٍ كامل من الإعلانات القضائية التي أصبحت توفر لبعض الصحف دخلًا شهريا يصل إلى 70 ألف دينار.

وكانت الصحيفة قد أبلغت العاملين فيها بأنها ستقوم بإغلاق أبوابها وتسريحهم مع اعطاءهم كافة حقوقهم، وذلك بسبب الأزمات المالية المتلاحقة وتراجع إيراداتها وتوقف الإعلانات القضائية عنها وحصرها في ثلاثة صحف فقط.

صحيفة الأنباط

ما تعيشه صحيفة الأنباط لا يختلف عن باقي المؤسسات الصحفية الأردنية، فقد أبلغت إدارة الصحيفة في الرابع من شباط، عام 2018،  أربع صحافيين بإنهاء خدماتهم ومنحهم شهر إنذار فقط، جاء ذلك بعد قرار وزارة العدل حصر الإعلانات القضائية في ثلاث صحف وحجبها عن صحف أخرى بحجة الانتشار، إذ كانت "الأنباط" من بين الصحف التي حُجبت عنها هذه الإعلانات، والتي انحصرت في ثلاث صحفٍ هي "الرأي" و"الغد" و"الدستور"، ما أدى لاحقًا إلى تدهور الأوضاع المالية للصحف غير المشمولة بالإعلانات.

وفي تصريح بلال العبويني الذي يشغل منصب مدير التحرير، لأحد المواقع الإخبارية حينها، قال إن ما حصل معه ومع باقي زملائه يعود إلى قرار وزارة العدل الأخير بحصر الإعلانات القضائية بصحيفتين، والتعديل على النص القانوني وشمول صحيفة ثالثة، إذ إن القانون كان ينص على صحيفتين فقط وبالتواصل مع نقابة الصحفيين الأردنيين تمت إضافة صحيفة ثالثة وهي الدستور، لِتُحجب الإعلانات عن باقي الصحف.

فصحيفة الأنباط كغيرها من الصحف التي تعتمد على الإعلانات القضائية في رفدها ومساندتها، وعدم حصولها على هذه الإعلانات فإن ذلك يعني خسارتها موردًا مهمًا من الموارد التي تساعدها على المضي قُدمًا، ومن دونها فإنها سَتسقط حتمًا، الأمر الذي بموجبه لن تستطيع الصحيفة إيفاء التزاماتها والكلفة التشغيلية فيها، مِمَّا يضعها أمام ورطتين، الورطة الأولى تتمثل بعجزٍ مالي سيؤدي إلى إغلاقها، أما الورطة الأخرى فتتمثل بإجراء عمليةٍ قيصرية يتم التعديل بناءً عليها في عملية إنجابٍ أخرى للأخبار أم أنها ستكتفي بموقعٍ إلكتروني.

إن القانون الذي قلّص عدد الصحف التي يحق لها الحصول على الإعلانات القضائية اعتمد على مسألة الانتشار،  وهو تعديل تشريعي أدخلته اللجنة الملكية لتطوير القضاء، ويراه العديد من الصحافيين مجحفًا بحق الصحف.

صحيفة الدستور

كان قد أعلن الصحافيون في جريدة الدستور مطالبتهم برفع رواتبهم الشهرية، بالإضافة إلى وجود ممثلٍ لهم في مجلس الإدارة، إن المسألة أعمق من ذلك، ونتائجها حتمًا تتوغل في جميع غرف صناعة الأخبار في الجريدة.

ويمكن القول إن جريدة الدستور هي أيضًا تحتاج إلى إيجاد حلولٍ قد تعمل على استدامة وجود مقر الصحيفة دون أن يتحول بمرور الأيام إلى مجرد مبنى مكتوبٌ عليه "برسم البيع"، أو أن يكون الحديث بين المواطنين مستقبلًا، "هنا كان مقر جريدة الدستور".

ورغم المحاولات التي تنتهجها جريدة الدستور في مواكبة التطور والإعتماد على الموقع الإلكتروني الذي نلاحظ أنه لا يخلو من الإعلانات التجارية، إلا أنها تعاني من ورطة هي الأخرى، ورطة تهددها بالإغلاق.

وعلى الحكومة أن تعي تمامًا أن إغلاق صحيفة كالدستور يُعد فضيحة مدوية داخليًا وخارجيًا، فأعرق صحيفةٍ يومية أردنية مُهددةٌ بالإغلاق، مِمَّا يستدعي محاولتها جني الأرباح من الإستثمارات المختلفة إذا أرادت أن تخرج من ورطتها .

جريدة الغد

يبدو أن ورطة صحيفة الغد هي الأشد وطأة، فهذه الصحيفة اليومية والمستقلة ماليًا وإداريًا تعيش حالة كسادٍ مالي يعصف بها وربما يحولها إلى حطام، وكان عددٌ من الصحافيين قد كتبوا أن أن رجل الأعمال الأردني محمد عليان متواجدٌ في إحدى الدول الخليجية لإجراء مفاوضات تُباع من خلالها جريدة الغد إلى أحد المستثمرين هناك بصفقةٍ تبلغ 15 مليون دينار.

جريدة االغد التي يعمل وضعها المالي على فكفكتها في الآونة الأخيرة يُثبته الوقفات الاحتجاجية لموظفيها، والتي تمثلت بمناقشة عددٍ من المطالب الواردة في مذكرة مُوقعة من 43 صحافيًا وسط تأكيدات منهم بأنهم لن يقبلوا التسويف والمماطلة إضافةً إلى تلبية جميع مطالبهم.

وجديرٌ بالذكر أنهم لوّحوا بإجراءاتٍ تصعيدية في حال عدم الاستجابة لجميع المطالب، جريدة الغد التي باتت تبحث عن مستثمرٍ ينقذها من الورطة المالية التي بدأت بمحاصرتها، باتت اليوم شاحبة ولا تمثل الصحيفة المستقلة ماليًا، فهي الآن الجريدة المريضة في جسدٍ إذا اشتكى منه عضو لملم يتداعى له سائر الجسد الحكومي والصحفي بالإنقاذ والحمى.

إن الإشاعات والتلميحات التي ظهرت مؤخرًا بشأن بيع جريدة الغد إلى أحد المستثمرين الخليجيين، لربما تكون صحيحة، فالفترة الماضية كانت عصيبة على الجريدة وموظفيها، هذه الجريدة التي كانت لا تخشى شيئًا هي اليوم تخشى من الغد، رغم أنه اسمها!.

المذكرة التي وقعها الموظفين تضمنت مطالبات بصرف راتب الثالث عشر والزيادة السنوية المتراكمة مطلع هذا الشهر واعادة النظر في التأمين الصحي والذي جرى زيادة مبلغ الاقتطاع على الزملاء مع تردَّي الخدمات بشكل كبير فضلًا عن تشكيل لجنة نقابية للصحافيين، مشيرين إلى سياسة ضبط النفقات والتضييق على الصحفيين وشعورهم بغياب الامان الوظيفي .

وفيما يؤكد صحافيون بالغد إن إدارة الجريدة باتت تتغول على كادر التحرير وحقوق الصحفيين وتسعى لإعادة الهيكلة بحجة خفض الإنفاق، لجأت إلى  تعيينات برواتب مرتفعة لكتاب وصحفيين كتنفيعات وحمولة زائدة لا تتفق وحجج تراجع الوضع المالي وترشيد النفقات.

الأنباء والإشاعات التي بدأت تتوغل في المجتمع الصحفي والإعلامي تشير إلى لجوء الناشر محمد عليان إلى بيعها بعدما نفذت كل السبل واجراءات الانعاش اللازمة، بالإضافة إلى الأنباء المتواترة والتي تقول إن حسن إسميك، رائد أعمال يشغل منصب رئيس مجلس إدارة مجموعة "ماريا"، ومحمد دحلان، سياسي فلسطيني، ورئيس جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني السابق في قطاع غزة، سيدخلان على خط الشراء.

إنها حالةٌ عصيبةٌ ومخيفةٌ يتضح من خلالها واقع الإعلام في الأردن، فمن الصحف ما قد أغلق ومنها ما سَيُغلق، هذا يعني أن الإعلام اليومي التقليدي لم يعد يستطيع مجاراة الإعلام الحديث، الأمر الذي يتطلب من الحكومة إيجاد الحلول لعل الصحف اليومية تستطيع العيش أطول مدةٍ ممكنة بعد بتر أطرافها!.