لا أظن أن بمقدور أي دولة أو منظمة عربية أو عالمية أن تدعو هذا العدد من الدول لهذا العدد من المؤتمرات في هذا الوقت القياسي فيحضر الجميع ويتحدثون بلا خلافات ظاهرة، فتصدر البيانات بلا اعتراضات جوهرية، ويوجه الشكر للجميع. كل ذلك في اقل من عشرة ايام. السؤال الذي يدور في رؤوس المراقبين والمتابعين يتعلق بمصدر القوة التي تملكها السعودية والنفوذ الذي تتمتع به! الجميع راغب في التقرب ويتجنب الاختلاف مع مواقفها؟
في اقل من عشرة ايام تمكنت السعودية من تنظيم وعقد ثلاثة مؤتمرات خليجية وعربية واسلامية بمشاركة اكثر من 57 دولة وهيئة ومنظمة على ارض مكة وبالقرب من البيت العتيق.
حتى قطر التي ما تزال على خلاف كبير مع المملكة وحلفائها حضرت المؤتمرات الثلاثة وتمنى الخبراء الذين ظهروا على شاشات الجزيرة النجاح للمملكة في توحيد مواقف الأمة مشككة في امكانية حصول ذلك لاسباب تتعلق بتباين المواقف والآراء وغياب الآلية المناسبة لتنفيذ البنود والتوصيات التي قد تخرج بها.
الشعار الذي رفعته القمم "يدا بيد نحو المستقبل” شعار جذاب لكنه يصطدم باختلاف المواقف وتعارض المصالح. الشعار يفتقر إلى الكثير من المتطلبات التي قد تجعل منه عنوانا مناسبا ومقبولا للمؤتمرات وللمواطن العربي الذي يرقب الاعمال بكثير من الشك واليأس.
الاجماع على ادانة الاعتداءات والتضامن الشكلي لدول مجلس التعاون لا يخفي الاختلافات العميقة بين المواقف والتصدع في بنية الاجتماعات السابقة للفرقاء على مختلف القضايا الداخلية والخارجية. في المؤتمر الذي كرس لبحث الاخطار والتهديدات الايرانية يتفق الاعضاء على اهمية الامن الخليجي وادانة الاعتداءات التي وقعت على المنشآت السعودية والسفن الاماراتية لكنهم يستخدمون لغة تتباين في حدتها وتشددها ومباشرتها.
بعض الاعضاء يتمنون لو تم التركيز على تسوية الخلافات الداخلية بين الاعضاء والاتفاق على منهج للتعامل، والبعد عن التحالفات والمحاور داخل المجلس الذي طالما شكل نموذجا لنجاح العمل العربي المشترك قبل ان تدب الخلافات في اوصاله.
في المؤتمر الخاص باعضاء المجموعة العربية تحدث القادة عن محورية القضية الفلسطينية واكدوا على الالتزام بحل الدولتين وسط تساؤلات البعض حول معنى التدخل بشؤون الغير وممارسة التدخل وآثاره على تحقيق الشعار الذي يرى البعض بعده عن كل ما يجري على ارض الواقع.
من بين القادة الذين جاؤوا إلى المؤتمر، اكد الأردن بلغة واضحة على محورية القضية الفلسطينية باعتبارها القضية العربية الاسلامية الأهم وذكر القادة والعالم بأن لا استقرار ولا امن دون حل القضية ضمن المرجعيات الدولية.
القمة الاسلامية كانت اكثر اعتدالا وتوازنا، فقد نجح العديد من حكماء الأمة في توسيع دائرة الاهتمام الاسلامي بتسليط الاضواء على تحديات التنمية والمخاطر التي تحيط بالأمة وضرورة ايجاد استراتيجيات جديدة تستجيب لتوقعات الشارع العربي والأمة التي تتطلع لقادتها بشي من الامل.
في لغة ومحتوى الخطاب الذي القاه امير الكويت الكثير من الحكمة والموضوعية والابتعاد عن التطرف والتحريض والاقتراب من هموم الشارع، فقد اشار إلى اوضاع الأمة ومكامن التخلف وتحديات التنمية بالشكل الذي تتطلع له الشعوب. إلى جانب امير الكويت استطاع رئيس الوزراء الباكستاني ان ينزع فتيل التوتر وتذكير الزعماء والقادة بأهمية العمل على توضيح صورة الاسلام ورفع المعاناة عن المسلمين في ارجاء العالم مستفيدين من تجربة الامم واتباع الديانات الاخرى.
القمم الثلاث كانت مناورة حية تبرهن على قدرة المملكة على تحريك الأمة وقيادتها، لكن المخرجات ستبقى مثل كل المخرجات السابقة فلا برامج للعمل ولا متابعة لما ورد في البيان، ما يجعل من المؤتمرات تأكيدا على ان الأمة ما تزال تعاني من التباين الشديد بين الاقوال والافعال وبرامج العمل.
غادر الزعماء قاعات المؤتمر وفي اذهانهم حصيلة البيانات التي صدرت عن المؤتمرات السابقة وعيونهم على الورشة التي ستعقد في البحرين حيث ستتداخل الاموال مع الاقوال والمواقف مع المصالح وسط شكوك ومخاوف وفوضى التفكير العربي. في المؤتمرات الثلاثة كانت الأمة بحاجة إلى مواقف اكثر وضوحا، وبيانات ترتبط ببرامج عمل وانتقال من فصل الاقوال إلى حقل الافعال.