كلما اقترب موعد المؤتمر الدولي الذي دعا إليه البيت الأبيض الأميركي لعقده في البحرين نهاية الشهر الجاري لبحث الشق الاقتصادي من الخطة الاميركية للسلام يزداد الغموض حول المؤتمر وتزداد التناقضات في المواقف الدولية، ومع أن التسريبات الاميركية تتحدث عن عشرات المليارات من الاستثمارات في الاراضي المحتلة من المتوقع طرحها في المؤتمر بهدف التهيئة لفرض الحلول السياسية إلا أن الكثير من التقديرات تذهب إلى أن محصلة هذا المؤتمر ستكون محدودة ولن تتجاوز ما وصل اليه مؤتمر وارسو الذي عقد قبل اشهر قليلة وعُد حينها أنه خطوة في طريق التسوية النهائية.
يبدو اننا امام سلسلة من المؤتمرات والاحداث التي ستتتابع خلال الاشهر المتبقية من العام والنصف الاول من العام القادم هدفها جميعا خلق تراكم من الافعال والانشطة التي تنظم تحت العنوان نفسه وسيكون محصلة الكثير منها متواضعا، وقد تدرك الادارة الاميركية ان العديد من انشطة هذه الدبلوماسية بدون جدوى ومن الواضح أنها باتت تقلل من التوقعات حول مؤتمر البحرين حيث أخذ المؤتمر يوصف بورشة العمل الاقتصادية وتراجع الحديث عن ضخ المليارات إلى الحديث عن تبادل الافكار والمقترحات والبحث عن ابتكارات سياسية جديدة للحل على فرضية ان القرارات الاممية التاريخية حول القضية الفلسطينية حسب الادعاءات الاميركية الاسرائيلية لم تعد صالحة للحلول.
السؤال اليوم، يبدو حول دور الخليج العربي في مرحلة اعادة تشكيل المنطقة التي بدأت بالفعل منذ عقد ومن المتوقع ان تستمر لعقد آخر، ونحن اليوم امام المرحلة الثانية من هذا الدور بعد ان نُفّذ الكثير من الدور الاول اي ادارة التحولات العربية بعد العام 2011 في عدد من الدول العربية، اما المرحلة الثانية فتتمثل في البحث عن تسوية تاريخية للصراع الفلسطيني الاسرائيلي وعبر مدخل ما يسمى اليوم (صفقة القرن). لقد انجزت الدولة الخليجية على مدى العقود الثلاثة الاخيرة، تحديدا، دولة الرفاه الاجتماعي بامتياز واستطاعت بعض دول الخليج الوصول الى رأس قائمة العديد من مؤشرات التنمية البشرية في مقابل هشاشة سياسية واستراتيجية، هذه الفجوة الهائلة بين دولة الرفاه الاجتماعي التي دشنتها الفوائض النفطية وبين الهشاشة السياسية والاستراتيجية هي مصدر التهديد الحقيقي الذي سيقرر مستقبل الخليج الجديد ما يدفع النخب الجديدة للبحث عن ادوار سياسية واستراتيجية في المنطقة.
ثمة ثروات هائلة تراكمت في العقدين الماضيين، يمكن ان يشرق الخيال العربي ويغرب بما يمكن ان تفعله في تغيير وجه المنطقة، وفي المقابل تم استهلاك وهدر ثروات هائلة خلال السنوات العشر الاخيرة وتحديدا في الصراعات الاقليمية وفي التسلح، دول الخليج العربي تملك اليوم وحسب معهد صناديق الثروة السيادية نحو 40 % من الثروات السيادية في العالم. وهناك اربعة من اكبر الصناديق السيادية العملاقة في العالم خليجية بعد الصندوقين النرويجي والصيني، وعلينا أن نتأمل حجم الاستثمارات الخليجية في الغرب ومنها على سبيل المثال الاستثمارات في المانيا حيث تقدر بعض التقارير الاستثمارات القطرية والامارتية والكويتية والسعودية في المانيا أنها تسيطر على نحو 15 – 20 من اسهم حوالي 50 شركة من كبريات الشركات الالمانية، والخليج العربي اليوم أكبر سوق لتمويل المشروعات على مستوى العالم. ويعد اليوم الافضل في البنى التحتية في العالم، ومنطقته من أهم المناطق التى توجه إليها الاستثمارات في مجال البنية التحتية.
لا يجب الحكم على الخليج الجديد من مدخل "مؤتمر البحرين” وما يرتبط به من تداعيات صفقة القرن سيئة السمعة، ولا من سلوك بعض النخب السياسية في السنوات الاخيرة، فالخليج الجديد ليس واحدا بل فيه تناقضات وفيه فرص قد تكون صادمة.