الشريط الإعلامي

80% من الجرائم التي تحدث سببها ضعف التشريعات والقوانين

دكتور علم جريمة: المجتمع الأردني في بداية مراحل الفوضى والدولة فشلت في توفير وسائل ضبط اجتماعي

آخر تحديث: 2019-05-23، 12:03 pm

* سيكون هناك مركز دولي متكامل لدراسة علم الجريمة وسَيُفتتح بعد شهر رمضان، اسمه المركز الدولي للدراسات الجرمية

* 20% من الجرائم التي تشكل المشهد العام الأردني هي فقط آنية، بينما 80%  منها مبنية على أحداث سابقة وضغوطات متراصة

* شعور المواطن الأردني بالخذلان هو أحد أسباب الجريمة.. للغذاء أيضًا دورٌ في الجريمة التي تحدث الآن

* هناك مناطق تزيد فيها  نسبة الجرائم عن باقي المناطق الأخرى، كمناطق السكن العشوائي والمخيمات، وهي مناطق لا تجرأ الأجهزة الأمنية على دخولها أحيانًا

* حتى تستطيع الدولة أن تُسيطر على مهددات بناء المجتمع الأردني يجب أن تعمل على إنشاء  لجنة إصلاح في كل محافظة

* من أنجح البرامج الوقائية التي يمكن للدولة الأردنية أن تنتهجه هو تقديم المذنب خدمة اجتماعية عوضًا عن السجن

* المواطن الأردني يتغاضى عن القوانين والأنظمة والتشريعات بالإعتماد على البيئة الحاضنة له

* الدولة لا تستطيع السيطرة على التدخل العشائري، وهي ضعيفة أيضًا في العقد الاجتماعي الذي تحدث به الرزاز

* العشائرية في كثيرٍ من الأحيان هي من يتحكم في الموقف وليس الدولة

 

 

أخبار البلد – مصطفى صوالحه

كُنا قد كتبنا مادةً صحفية بعنوان "من شهر الرحمة إلى شهر الدم..كيف تحول شهر رمضان إلى نارٍ آتت أُكلها؟"، يوم أمس الأول، وقد تحدثنا بها عن الجرائم التي حدثت منذ بداية رمضان، والتي تمثلت في القتل والانتحار والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة، حتى أصبحنا نعيش في مجتمعٍ فوضوي لا يفرق بين المرء وأخيه، وأمه وأبيه، والدولة بقوانينها وتشريعاتها التي تأويه، لكننا لم نتطرق بشكلٍ واضح إلى الأسباب الكامنة وراء حدوث الجريمة في الأردن، والتي تقع مسؤولية حدوثها على الدولة.

دكتور علم الجريمة، جهاد الحجي، قال إن العلماء حددوا عوامل افتعال الجريمة في ثلاثة عوامل، هي على التوالي ومتصلة ببعضها البعض، وراثي، نفسي، سلوكي، وأن 80% من الجرائم التي تحدث في الأردن سببها ضعف التشريعات والقوانين، بينما 20% منها تعتمد على العوامل البيولوجية والنفسية.

وأضاف أن الأردن يخلو من مشاريع وقائية، فالمجتمع يعتقد أن الجريمة آنية، إلا أن  20% من الجرائم التي تشكل المشهد العام الأردني هي فقط آنية، بينما 80% منها تكون مبينة على أحداث سابقة وضغوطات متراصة فوق كاهل المواطن الأردني مِمَّا ولّد شرارة الجريمة، فعند ذهاب بعض الأشخاص إلى السجن مرات عديدة، فإن ذلك يعمل على تأطير شخصية المجرم داخل المساحة الإجرامية وأنه لا سبيل للعلاج من تبعات جرائمه مهما لجأ في محاولاته إلى التغيير، وهذا يسمى في علم الجريمة ب(الوسم)، أي أن الشخص الذي تسببت سرقته أو اعتدائه على الممتلكات العامة والخاصة في دخوله السجن لن يستطيع التخلص من السُمعة التي باتت تلاحقه، وعند خروجه من السجن والاختلاط  مع العالم الخارجي فإن فعل السرقة أو الاعتداء أو القضية بأكملها تلتصق به ولا يستطيع التخلص منها، فالمجتمع لن يتقبله وذلك سيؤدي إلى فكفكة الثقة بالنفس وأنه لا مكان لهذا الشخص للعيش مع هؤلاء الاشخاص ممن يتهمونه بالفساد الأخلاقي رغم إقراره بعدم العودة لممارسة الجريمة، أيًا كان نوعها.

وأردف الحجي أن العار الأخلاقي  يلاحقه أيضًا عند اقدامه على الزواج، فالعائلة سَترفض أن يتزوج من ابنتها، ذلك ينطبق على الوظيفة أيضًا، فلن يستطيع هذا الشخص التقدم بطلب وظيفي من أجل الحصول على وظيفة تُبعده عن ظلمات الجريمة، وعندما يفقد الإنسان أهم ما تقوم عليه حياته ألا وهو الزواج والوظيفة فإن ذلك سيعمل على إعادته إلى الموطئ السابق، أي الجريمة، ومن هنا، فإن للمجتمع النصيب الأكبر من تغيير سلوك شخص ما والتأثير عليه، ذلك بالإعتماد على مستوى ما يقدمه من قَبول لهذا الشخص وعدم التخلي عنه أو الاعتماد على الشواهد السابقة في إقرار الحكم عليه وأنه لا يصلح أن يكون جزءًا فاعلًا من المجتمع، حيوي، نشيط، مرن، وإيجابي.

وتابع أن ذلك يُسمى في علم الجريمة، بالجريمة المُعادة، وأن هذا النوع من الجرائم يحدث كثيرًا في الأردن، وفي مثالٍ آخر يُثبت تورط الجهاز الأمني في أنه أحد الأسباب الكامنة وراء ارتفاع الجريمة وشعور بالمواطن في بعض الحالات بأن الدولة لا تستطيع تهيأة المناخ النفسي المعتدل والمريح، هناك ما يسمى بالمافيات والعصابات، كأولئك الأشخاص الذين يترصدون بأصحاب المحال التجارية حتى يقوموا بإعطائهم المال بابتزازهم والتأثير على مصالحهم وعرقلة مشاريعهم والحيلولة دون الشعور بالأمن النفسي، وعند الرفض فإنهم يلجأون إلى الترويع والعبث بقيم الأمن النفسي بما قد يؤثر ذلك على طريقة عيشهم.

وأشار الحجي إلى أن القانون لا يستطيع ردعهم، فعندما يلجأ شخص ما إلى المركز الأمني حتى يُنصفه فإنه يطلب منه اللجوء إلى المتصرف لتقديم شكوى، المواطن عندها سيشعر أن الجهاز الأمني في الدولة -وبعد عدة اجراءات مرهقة- لا يستطيع حمايته وبالتالي فإن ذلك سيعمل على توليد عددٍ من العمليات النفسية الداخلية كالخوف والاحباط ومن ثم وقوع شجار أو تراشق لفظي حاد يؤدي إلى وقوع جريمة. 

ونوّه إلى أن الجرائم الاجتماعية بأنواعها المختلفة،  كأن ينتحر أحد الأشخاص أو أن يلقي بنفسه أمام أحد المركبات أو أن يتسلق أحد أعمدة الكهرباء حتى يرمي بنفسه، سببها الأزمات النفسية التي تتراكم بمرور السنوات دون أن تجد الدولة حلولًا من شأنها إيقاف هذا النوع من الجرائم والذي بات يتكرر بشكلٍ يستوجب من الجهات المختصة إطلاق خطط فعالة لإيقاف مد الجرائم بأرقامها المرعبة. 

وتحدث الحجي عن ضعف التشريعات وأنها سبب المشاكل التي نشاهدها الآن في المجتمع الأردني، مثالٌ آخر على أحد مسببات انتشار الجريمة هو شعور المواطن الأردني بالخذلان،  فهو  أصبح مؤخرًا وبشكلٍ مُقلق يلجأ للرشوة حتى تخدمه المؤسسة التي جاءت أصلًا من أجل خدمته، وأصبح هناك ما يُسمى بالوسيط داخل المؤسسة نفسها، والذي تتمثل مهمته في أخذ النقود من المواطن حتى تكون اجراءات معاملة المواطن سلسة وسريعة بدلًا من أن تأخذ العديد من الساعات أو حتى أيام، وإذا لم يدفع له فلا يوجد هناك معاملة يتم إنجازها. ذلك يخلق فكرةً مفادها أن المواطن الأردني يتعامل مع بيئة تحتضن من لا يأبه بأية قوانين أو تشريعات تُقرها الدولة، هذا يتسبب في أن يتغاضى البعض عن مختلف الجرائم، الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والإلكترونية. 

في سياقٍ متصل، أوضح أن الأيكولوجيا من عوامل انتشار الجريمة في الأردن، والتي تعني أن الجريمة من الممكن أن تحدث نتيجة ارتفاع درجات الحرارة مثلًا، أو أن تحدث الجريمة اعتمادًا على التوزيع الجغرافي للمناطق، إذ إن هناك مناطق تزيد فيها  نسبة الجرائم عن باقي المناطق الأخرى، كمناطق السكن العشوائي والمخيمات، تلك المناطق التي لا تجرأ الأجهزة الأمنية على دخولها أحيانًا. فالجريمة حسب نظرية العالم الأمريكي سذرلاند، هي أن يتعلمها الشخص كما يتعلم أي مهنة.

وذكر الحجي أن للغذاء أيضًا دورٌ في الجريمة التي تحدث الآن، فعندما يشعر المواطن الأردني أنه لا يستطيع إطعام عائلته أو أنه جائعٌ على الدوام فإن ذلك سَيعمل على انتشار الجريمة أيضًا، حدث ذلك أثناء عمليات سرقة البنوك. هناك أيضًا، العادات والتقاليد التي كانت سببًا في إشعال فتيل العديد من المشاكل، كأن يُصاب شقيق أحد الأشخاص بعيارٍ ناري، في هذه الحالة، يبدأ المجتمع بشحن عائلته للإنتقام من عائلة مُطلق النار، متسببين في النهاية بخلق حالة من عدم الرضا النفسي والشعور بالنقص، الأمر الذي يؤدي إلي افتعال جريمةٍ أخرى، كانت الأجهزة الأمنية تحاول السيطرة على وقع الجريمة السابقة، متجاوزين بذلك الأنظمة والقوانين، لتُخلق حالة من الهلع بين أفراد المجتمع.

وقال إن هناك نوعان من الضبط الاجتماعي، المنظم وغير المنظم، المنظم يتعلق بالدولة، أما غير المنظم فهو يتعلق بالعشائرية، وحتى تستطيع الدولة أن تُسيطر على مهددات بناء المجتمع الأردني ومن ثم القضاء عليها، يجب عليها أن تعمل على إنشاء  لجنة إصلاح في كل محافظة، بالإضافة إلى الإطلاع على خبرات وكفاءات حكومات الدول الإسكندنافية  كالدنمارك، والنرويج، والسويد، وفنلندا، وآيسلندا، وجزر فارو، والتي تلجأ إلى في عقابها الشخص الذي أقدم على فعل جُرمي معين من شأنه زعزعة الأمن والسلم المجتمعي أن يُقدم خدمة مجتمعية كأن يقوم بتنظيف حديقةٍ عامة، أو تقديم الطعام في أحد مراكز الأيتام لا أن يدفع مبلغًا ماليًا يخرج بسببه من السجن، وذلك لإن النقود تعني شراء الخدمة، وشراء الخدمة من الأسباب التي تزيد من معدل ارتكاب الجرائم في الأردن، فهناك كفالة مالية تدفع أو حق شخصي يتم اسقاطه، هذا يعني أن نسبة العودة لإرتكاب الجريمة تزيد عن نسبة 50%.

أما أن يقوم المذنب بتقديم خدمة بعدد ساعات معينة  فهذا أجدى ويعمل على تهذيب النفس وتعديل المناخ النفسي بما يحقق الإصلاح العام، هذا في النهاية يؤدي إلى دثر الجريمة ومن ثم تقل أعداد المجرمين وصولًا إلى مجتمعٍ الجريمة فيه تُشكل نسبة 0%، وهذا من أنجح البرامج الوقائية التي يمكن للدولة الأردنية أن تنتهجه.

وصرّح الحجي أن الدولة لا تستطيع السيطرة على التدخل العشائري، بالإضافة إلى ضعف الدولة في العقد الاجتماعي الذي تحدث به الرزاز، والذي يعني اتفاق المواطن مع الدولة على تقديم خدمةٍ ما مقابل تقديم الدولة  له خدمة أخرى، فعلى سبيل المثال، عندما يدفع المواطن للدولة ثمن المسقفات فإن على الدولة أن تعمل على إصلاح الشوارع وتعبيدها وإيصال كافة الخدمات المتعارف عليها، لكن أن يدفع المواطن دون أن تُقدم الحكومة له في المقابل خدمة، فإن ذلك سَيُسبب خللًا في العقد الاجتماعي.

وأكد أن المجتمع الأردني –واعتمادًا على الدراسات- في بداية مراحل الفوضى، والأمثلة في ذلك كثيرة، فبعض النواب يترشحون للإنتخابات على مبدأ العصابة وليس على مبادئ النزاهة والعمل القويم، الأمر الآخر، الدولة تلجأ عند فشلها في تنظيم المجتمع إلى العديد من المبررات التي تتعلق بالثقافات الفرعية التي يتكون منها المجتمع الأردني، كما أنها فشلت في تأهيل الاردني لممارسة بعض الأعمال التي يمارسها أشخاص من أصول ومنابت مختلفة، وهذا أدى إلى البطالة التي يمكن القول إنها السبب الرئيسي وراء مختلف الجرائم التي تحدث، فَمُشكلة الدولة الأردنية الآن تكمن في أنها لا تريد توفير وسائل ضبط اجتماعي لكنها تريد محاسبة المقصرين من أجل عملية الضبط المجتمعي.