الشريط الإعلامي

نهایة الدیمقراطیة !

آخر تحديث: 2019-05-02، 05:49 am
د.موسى شتيوي
بعد انھیار الاتحاد السوفیتي في بدایة تسعینیات القرن الماضي ، كتب المفكر الأمیركي فوكویاما كتابھ الشھیر ”نھایة التاریخ" الذي بشر بھ بانتصار الرأسمالیة كنظام اقتصادي ، والدیمقراطیة اللیبرالیة كنظام سیاسي. الفكرة الرئیسیة ، ھي عولمة الرأسمالیة ؛أي انتشارھا عالمیاً ، الذي سیواكبھا أیضاً انتشار الدیمقراطیة في دول العالم الثالث ، لا سیما تلك الأنشطة السلطویة أو الدیكتاتوریة. بالممارسة، توسعت الرأسمالیة بشكل سریع مع انھیار البدیل ، وباستثناء بعض الحالات كالصین وكوبا وكوریا الشمالیة ،وتحولت ّ . ولكن وإن تحولت بعض الأنظمة من الناحیة الشكلیة ، إلا أن الدیمقراطیة لم تنتشر أغلب الدول إلى النظام الرأسمالي اقتصادیاً بالدرجة نفسھا ، لا بل واجھت ممانعة كبیرة في العدید من الدول ، وفي ثقافات مختلفة. الأھم من ذلك ، أننا نشھد الیوم تراجعا كبیرا بالأسس والمبادئ التي قامت علیھا الرأسمالیة والدیمقراطیة أیضا. اقتصادیا، توسع النظام الرأسمالي لیطال أغلب بقع الأرض ، ولكن بدلا من أن ینتشر الثراء، ازدادت الفجوة بین الأغنیاء والفقراء، وزاد تركز الثروة بأیدي فئة قلیلة على المستوى العالمي. ولا یقل أھمیة، وعلى صلة بالدیمقراطیة ، أن ھذه القلة القلیلة المتحكمة A A A أفكار ومواقف بالاقتصاد العالمي أصبحت أكبر قوة مؤثرة في السیاسة العالمیة وفي الدیمقراطیة نفسھا، وأصبحت قوة ضاغطة على الدول ، ّ وبخاصة التي بدأت بالتحول الى الدیمقراطیة بانتھاج سیاسات اقتصادیة تتماشى مع مصالح رأس المال، ولكنھا لا تتماشى مع مصالح شعوبھا ، فأصبحت الحكومات واقعة بین مطرقة الرأسمال وسندان شعوبھا ، وأصبحت غیر قادرة على تلبیة طموحات شعوبھا ، ما أدى الى انتشار العنف السیاسي بأشكالھ المختلفة ، وتراجع الدیمقراطیة بتلك الدول. ولم یقتصر التأثیر السلبي للعولمة الاقتصادیة الرأسمالیة سیاسیا على الدول النامیة فقط ، وإنما امتد أیضا لیطال الدول المتقدمة التي انتجت النظام الرأسمالي. وكما لاحظنا في السنوات الماضیة، فإن النزعة المسیطرة على عدد من الدول الكبرى ، وبخاصة الولایات المتحدة ، ھي ظھور السیاسة الشعبویة التي تؤمن أقل بالدیمقراطیة ، وأكثر بالوطنیة والمصالح الخاصة بتلك الدول. وظاھرة ترامب وغیرھا من التجارب الأوروبیة ، تشیر الى اتجاه الدول الدیمقراطیة الى السلطویة الداخلیة ، مع تراجع الاھتمام بمبادئ الدیمقراطیة وحقوق الإنسان في سیاساتھا الخارجیة ، وھیمنت المصالح الاقتصادیة على السیاسة الخارجیة . وما نشھده من سیاسات حمائیة اقتصادیة ، واللجوء للعقوبات الاقتصادیة بدیلاً عن المنافسة الاقتصادیة الحرة التي من المفروض أن یقوم علیھا النظام الرأسمالي خیر دلیل على ذلك. تراجع الدیمقراطیة في الدول المتقدمة لھ انعكاسات كبیرة على بقیة دول العالم ، وذلك لأن ”المثل" الذي یجب أن یحتذى في تراجع ، وثانیاً ، لأن الاھتمام بانتشار الدیمقراطیة من مثل تلك الدول أیضا في تراجع والنتیجة صعود مضاد للدیمقراطیة في أغلب دول العالم الثالث. ّ الصین تصنف كحالة فریدة ، فھي تتقدم اقتصادیا بدون دیمقراطیة، ولو تحولت الى الدیمقراطیة الغربیة، قد لا تكون حققت النتائج الاقتصادیة التي حققتھا في العقود الماضیة. إن تراجع الدیمقراطیة الیوم قد لا یعني نھایتھا ، ولكنھا قد تعني أن ھناك حاجة للتفكیر أو إعادة النظر بالمعادلة التي تحقق الدیمقراطیة والتنمیة بالوقت نفسھ ، لكن الشيء الأكید انھ لا توجد نماذج جاھزة یمكن استیرادھا ، ولا بد للدول من أن تخترع نماذجھا بالاسترشاد بالتجارب العالمیة الناجحة