الحزام والطريق مبادرة أطلقتها الصين منذ ما يزيد على ستة أعوام، لتكون منطلقاً جديداً لمفهوم التحالفات الاقتصادية، والنموذج الاقتصادي الجديد لتجسيد مصالح القوى العُظمى في الاقتصاد العالمي.
الحزام والطريق مبادرة استندت إلى مقومات قطاعية ثلاثة متكاملة ومتداخلة؛ الأول قطاع الطرق والبنية التحتية، والثاني قطاع الطاقة الإنتاجية، والثالث قطاع الثقافة والتواصل الثقافي، والأخير جاء لكي لا يقتصر الأمر على المنافع المادية والتجارية للمبادرة.
ولعلي أذكِّر هنا أنَّ الأردن شارك في العام 2013 في إطلاق تلك المبادرة، بل وكان هناك كلمة خاصة للأردن في حفل الإطلاق، وتمَّ فيها تأكيد الاهتمام الكبير بتلك المبادرة، لما تخلقه من مصالح مشتركة بين الجميع، وهي مصالح لا تقتصر على فرضية التبعية الاقتصادية، أو التبعية السياسية.
فالمبادرة الصينية لا تقوم على مفهوم المساعدات والدعم، بالقدر الذي تقوم فيه على تبادل المنافع التجارية، والاستثمارية، وفتح الأسواق وتسهيل التجارة البينية. وهي مبادرة، تقوم أيضاً على استغلال الموارد الكلية، وخاصة البشرية منها، في الدول المشاركة لخدمة أهداف المبادرة في تبادل المنافع، وفي تطوير سبل التجارة والإنتاج، مع التركيز على المبادرات التي تخدم متطلبات الثورة الصناعية الرابعة، في مجال تكنولوجيا المعلومات، والاتصالات، وغيرها من المتطلبات الذهنية، والفكرية، ومتطلبات الفضاء الافتراضي، والذكاء الاصطناعي.
وقد انعقدت منذ أيام عدة الدورة الثانية لمنتدى الحزام والطريق للتعاون الدولي في العاصمة الصينية بكين، وكان العنوان الرئيس للقاء "التعاون بين الحزام والطريق.. تشكيل مستقبل مشرق أكثر إشراقاً”. وقد شارك العديد من كبار صنّاع القرار ورؤساء الدول على مستوى العالم في ذلك اللقاء، الذي جاء ليؤكد التوافق على خلق المصالح الاقتصادية المتبادلة، وخاصة أنَّ العالم يمرُّ بشكل واضح بمسيرة جديدة تقودها الدول المتنفذة عالمياً بمقاربات هجينة تقوم على فرض الحماية الجمركية، ومقاومة انتقال رؤس الأموال والبشر، والعقوبات الاقتصادية، وتغليب المصالح المحلية والميزة المطلقة للتبادل التجاري على كلِّ التطوُّرات التي توصل إليها العالم عبر سياسات الميزة النسبية للتجارة أو حتى الميزة التنافسية للتبادل التجاري.
اليوم مبادرة الحزام والطريق باتت اتفاقية دولية مُوقعة ومعتمدة من 125 دولة حول العالم، وانضم إليها نحو 29 منظمة دولية، وباتت تجعل من الصين القطب الأساس لحرية التجارة والاستثمار. وقد تعزَّز ذلك بإطلاق الصين للبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية في العام 2014، وبرأسمال بلغ نحو 50 مليار دولار، ليقوم بدور استثماري نوعي في قطاعات البنية التحية المختلفة، على غرار ما يقدمه البنك الدولي، وبشكل أكبر وإقدام أوسع.
الشاهد هنا أننا في الأردن، وفي ظل الضغوط السياسية والاقتصادية التي نتعرض لها اليوم، في أمس الحاجة إلى الانخراط بشكل أكبر في هذه المبادرة، وفي تقديم الاقتصاد الأردني كبوابة حقيقية لمنطقة الهلال الخصيب، بما ستقدمه تلك المنطقة قريباً من فُرص في مجال إعادة الإعمار، في سورية والعراق، وما تكتنزه تلك المنطقة من إمكانات كبيرة في مجال الطاقة بأنواعها التقليدية والمتجددة، وما يعنيه الموقع الجغرافي للأردن من مُكتنز لوجستي لتحقيق طموحات مبادرة الحزام والطريق في تحقيق المنافع التجارية والاستثمارية في المنطقة ككل.
من المهم جداً أن تكون تلك المبادرة على رأس أولويات صُنَّاع القرار الاقتصادي في البلاد، وأن نضع خريطة طريقة للاستفادة من معطياتها، شريطة أن نبادر اليوم، ولا ننتظر من يأتينا بمقترحات من الخارج حول دورنا، وأن نفكر خارج الصندوق، وأن لا ننحصر بما يمكن أن يلعبه الاقتصاد الأردني من دور تقليدي. الحزام والطريق فرصة لطريق بديل يخفف عنا ضغوط الوضع القائم والقادم على حدٍّ سواء.