الشريط الإعلامي

إمام مسجد ينقذ كنيسة من تفجير إرهابي

آخر تحديث: 2019-01-10،
مهدي مبارك عبد الله
لقد ثبت صحة حديث الرسول الكريم إذا فتح الله عليكم مصر بعدي فاتخذوا فيها جندا كثيفا فذلك الجند خير أجناد الأرض فقال له أبو بكر ولم ذلك يا رسول الله قال إنهم في رباط إلى يوم الدين
من فوق ارض مصر الكنانة وفي موقف بطولي مشرف ونبيل تجسدت فيه أقدس معاني المواطنة وروح الإنسانية والأخوة ومبادئ وقيم الدين الإسلامي الحنيف وذلك مساء يوم السبت 5 / 1 / 2019 وبعد أداء صلاة العشاء أفشل الشيخ سعد عسكر إمام ومؤذن مسجد ضياء الحق بعزبة الهجانة التابعة لمدينة نصر شرق العاصمة المصرية القاهرة مخططا للإرهاب الأسود حين سارع بإعلام المواطنين في منطقته عبر ميكروفون المسجد بوجود عبوات ناسفة فوق سطح المسجد وطالبهم بالخروج من منازلهم والابتعاد عن المنطقة كما أبلغ القوى الأمنية المكلفة بحراسة كنيسة السيدة العذراء وأبو سيفين في الجهة المقابلة بوجود العبوات الناسفة والتي ربما تستخدم ضد الأقباط الأرثوذكس في احتفالاتهم بعيد الميلاد ضمن سلسلة محاولات واستهداف للمسيحيين الأقباط ودور عباداتهم غير مرة وإثناء فحص القوة الأمنية المختصة ومحاولة إبطالها العبوات الناسفة انفجرت أحداها وأسفرت عن مقتل ضابط مفرقعات وإصابة اثنين من أمناء الشرطة وفي هذه الحادثة وما سبقها أكد المصريون عهدهم وموقفهم الثابتين بالاستمرار في مواجهة الإرهاب ودعم وحدتهم الوطنية بكشفهم واحدة من العمليات الإجرامية التي كانت ستودي بحياة العديد من الأبرياء المسيحيين والمسلمين بلا تمييز

ما قام به إمام مسجد ضياء الحق يشكل النموذج الواعي الذي يوضح كيف أن المسلم الحق الذي يتبع ما أمر به الله وما جاء في سنة نبيه الكريم بعلم وفهم ودون غلو او تطرف او انغلاق او كراهية هو صِمَام أمان لأي عمل إرهابي وسيبقي ذلك قدوة يحتذى بها في المواطنة الحقة والفهم الصادق لرسالة الإسلام ومقاصد الشريعة ويجب أن يتم تسليط الضوء على هذه النماذج الإيجابية لمواجهة النماذج السلبية المتطرفة والمنحرفة وانّ هذه الحادثة أثبت أن الشعب المصري بكل أطيافه قادرعلى التماسك والوقوف أمام قوى الإرهاب حين أظهروا للعالم أنهم جميعا على قلب رجل واحد بعد إفشال المؤامرة المدبرة وما يتطلب ذلك الاستمرار في البناء والحفاظ على البلاد وتمتين وحدتها وتصليب جبهتنا الداخلية فمسلموهم ومسيحيوهم يد واحدة في وجه الإرهاب الغادر وأن محاولات ترهيب وتخويف المواطنين لن تنال من عزيمتهم بتقديم التضحيات الغالية والدفاع عن وطنهم

وقد ورد عن كاهن الكنيسة قوله إن حرص إمام المسجد ومحبته للأقباط ودوره الوطني أنقذ مئات الأرواح من الهلاك وقد أكد بعد الحادثة المستهجنة البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسي ضرورة الحفاظ على النسيج الوطني المصري والعيش الواحد الآمن وإرساء مبادئ الوحدة الوطنية ووجه أيضا القس بولس حليم المتحدث باسم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية الشكر الجزيل لإمام مسجد عزبة الهجانة بعد إبلاغه عن تواجد العبوات الناسفة قائلا في الحقيقة هذا الرجل بالفعل يجسد الشخصية المصرية في صورتها النبيلة بمنعه حدوث كارثة إنسانية مروعة وهو أمر لابد أن نشكره عليه جميعا ويجب ان نستمر في العمل معا لمنع أي شخص او جماعة من شق صف نسيجنا الوطني المتماسك أو العبث بأسس وقواعد تعايشنا السلمي الطويل والمشترك

ومن المعلوم جيدا أن استهداف دور العبادة وقتل الأبرياء هو عمل إجرامي أثيم يخالف تعاليم الدين الإسلامي الحنيف بل وتعاليم كل الأديان السماوية التي سبقت والتي دعت إلى حماية دور العبادة واحترامها والدفاع عنها وقد عرف المصريون منذ قديم الأزل أن الله محبة وعبادتهم له قائمة على هذا الأساس لا فرق في ذلك بين مسلم ومسيحي وعلى هذا المعيار تعايش الفريقان جنباً إلى جنب في مودة ومحبة منذ قدوم الإسلام إلى مصر حتى وقتنا هذا وأن هؤلاء الإرهابيين لا ينتمون لأي دين أو ملة فلا يوجد دين سماوي يدعو لذلك كما أنهم لا يمتون للإنسانية بأي صلة فلا يوجد إنسان يفعل بأخيه الإنسان مثلما يفعل هؤلاء من قتل وسفك للدماء وما قام به المتطرفون من الاعتداء على حرمة دور العبادة من مساجد أو كنائس واستهدافها وترويع الآمنين فيها هو أمر تحرمه الشريعة الإسلامية وترفضه الفطرة الإنسانية السليمة

وأن هذه الجماعات الإرهابية المتطرفة التي قامت بتلك العملية الخسيسة مرت عديدة قد أصبحوا خصومًا للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي قال ( ألاَ مَنْ ظلم مُعاهِدًا أو انتقصه أو كلَّفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طِيبِ نفسٍ فأنا حجيجه يوم القيامة ) أي خصمُه وأشار رسول الله صل الله عليه وآله وسلم بإصبعه إلى صدره ( ألاَ ومَن قتل مُعاهَدًا له ذمة الله وذمة رسوله حُرِّم عليه ريح الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفًا )

والإسلام ترك الناس على أديانِهم وسمح لهم بممارسة شعائرهم داخل أماكن عبادتهم ليس ذلك فحسب بل إن التشريع الإسلامي ضمن لهم أيضًا سلامة كنائسهم ومعابدهم فحرَّم الاعتداء عليها بل ذهب الإسلام لِمَا هو أبعد من ذلك حيث أمر بإظهار البر والرحمة والقسط في التعامل مع المخالفين في العقيدة، يقول تعالى ( لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) ومن هذا الفهم الإيماني العميق والواضح لا بد من الجميع الوقوف حصنًا منيعًا أمام محاولات التطرف الاعمى وجماعات الإرهاب الخبيث التي تسعى إلى زعزعة أمن واستقرار الاوطان وإثارة الفتنة بين أبناء الوطن الواحد

ومن المهم في الخاتمة ان نبين انها هذه ليست الوحيدة الوحيدة التي يتداعى فيها أامة المساجد أو سائر المسلمين في نصرة أبناء وطنهم الاقباط المسيحيين خيث سبقت حادقة كنيسة مار مينا في منطقة حلوان عندنا كان شخص ملتحي داخل سيارة وبحوزته رشاش آلي يطلق النار على الكنيسة التي كان يقام بها قداس وبمجرد بدء الهجوم على الكنيسة استغاث إمام مسجد الدسوقي الشيح طه رفعت القريب من الكنيسة بأهالي المنطقة الذين أسرعوا لمكان الحادث، وتصدوا مع الشرطة للمهاجمين وتمكنوا من القضاء على أحدهم واستخدم الشيخ رفعت مكبر الصوت الخاص بالمسجد للاستغاثة بالأهالي ومناشدتهم بالتوجه فورًا إلى الكنيسة لحمايتها وصد محاولة اقتحامها

وضرب إمام مسجد آخر في مصر مثالاً حياً وواقعياً في التعايش السلمي والمحبة بين المسلمين والمسيحيين عندما طلب عبر مكبرات الصوت في المسجد من سكان منطقة شبرا الخيمة شمال القاهرة المساعدة في إخماد الحريق التي شبت في كنيسة الأنبا مقار ولولا دعوة الإمام ومساعدة المسلمين في إطفاء الحريق لأتت النيران على كلّ شيء في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية

وكل ذلك غيض من فيض الأمثلة الحية والملموسة للمواقف العفوية بين أبناء الشعب المصري بمختلف طوائفه ودياناته وطبيعة العلاقات الاجتماعية الاعتيادية في سبيل السلام والتعايش التي لا يمكن أبدا أن تتأثر بالتحريض الطائفي المستمر وتعميم فتاوى التكفير وتكريس خطاب الكراهية عندما حاولوا تفجير دارعبادة للمسيحيين فاستشهد ضابط مسلم أراد حماية الكنيسة

لعل الرسالة الواضحة والجلية من قطبي الشعب المصري تكون قد وصلت لكل من تسول له نفسه العبث بأمن مصر واللعب على وتر الطائفية لتفتيت الشعب المصري رسالة تختزل وعي الشعب وإصراره على وحدته الإسلامية المسيحية وتماسكه في وجه أدعياء الإسلام.

mahdimubarak@gmail.com