الشريط الإعلامي

ماسح الجوخ الوضيع في المكان الرفيع!

آخر تحديث: 2019-01-07،
مهدي مبارك عبد الله

قال الفاروق عمر بن الخطاب ( توشك القرى أن تخرب وهي عامرة قيل وكيف تخرب وهي عامرة يا أمير المؤمنين قال إذا علا فجارها أبرارها وساد القبيلة منافقوها )

دعونا نتعرف على أصل هذه التسمية من أين جاءت الجوخ هو نوع من القماش الصوف(مخمل) والكلمة تركية و( الجوخة دار) مصطلح يطلق علي الشخص الذي يقوم علي خدمة السلطان في إعداد وتنظيف وتلبيس الأحذية ثم توسع المعني وشمل من يقومون بإسدال الستائر وفتحها في السراي وقصور الوزاراء ولما كانوا يلبسون الجوخ فقد أطلق عليهم الاسم مشتقا مما يلبسون أصحاب الجوخ ومن هذا الفهم تم صياغة مصطلح مسح الجوخ كدلالة رمزيه الى التقرب لصاحب المنصب بالتملق والكذب والخداع والرياء ويكثر مسح الجوخ والتملق والمداهنة بشكل كبير قي الوظائف العامة فتجد بعض المسؤولين يفتحون بازارا دائم لتجار سوق النفاق والرياء ويقربون منهم كل هماز مشاء بنميم بل بعضهم يفتح حلبة سباق علنية لفرسان النقاق الوظيفي ولا يستطيع العيش بدون جوقة التطبيل والتزمير والتجسس ولا تغفو عينيه ويطمئن قلبه الا بوجودهم من حوله لابد ان نعلم ان مسح الجوخ هو مرض اجتماعي مزمن ينمو بكثرة في المجتمعات الفردية المتخلفة التي لا يستطيع فيها المواطن الحصول على حقوقه المدنية والمادية والوظيفية الا من خلال هذا السلوك المرفوض والمزدرى وفي المجتمعات الحديثة والواعية والديمقراطية والتي تتساوي فيها الفرص بين المواطنين بعدالة اجتماعية منضبطة ينعدم مثل هؤلاء الأشخاص وتنتفي هذه الصفات

والأمثال الشعبية العربية لم تترك موقف إلا وقالت فيه عبرة وكانت مرآة صادقة تعكس الحدث وترسم الواقع لكثير من الصفات والسلوكيات لبعض الناس و كانها حاوي ماهر يتنبأ بما هو قادم يوم كانت الناس تعيش على البساطة والفطرة السليمة والصدق والأمانة والكرامة والشهامة و المروءة لا يعنيها ان تأكل لحوم بعضها البعض غير مملحة فلم تترك تلك الأمثال في أرشيفها الجمعي مجالسة ولا واقعة الا وكان لها فيها قسط وافر من الحكمة والخبرة والتصحيح وها نحن اليوم مع المثل الشعبي عنوان المقالة أعلاه والذي يجسد دوره شخصية ( ماسح الجوخ ) والمتملق والتي أصبحت سمة غالبة مرغوبة يتسابق عليها البعض ويدفع الغالي في سبيل الوصول اليها بعدما كانت نقيصة وذميمة صاحبها ملفوظ ومكروه لأنه يهدر كرامته وعزة نفسه و شرفه وهي صفة أصحاب النفوس المريضة الدنيئة والخسيسة التي تقتات وتتكسب على ماء وجهها وكرامتها

وان مسح الجوخ يعتبر اليوم فن تكتيكي قائم بذاته في عصر النفاق الذي جعل االنكرات والمغمورين وجهاء القوم وسادة وقادة واول الركب وهو سلوك لا يحتاج الى شهادات و مؤهلات ومعاهد وجامعات فقط بل يحتاج فوق كل ذلك الى إنسان رخيص ولسان حاذق في انتقاء كلمات المديح الزائف والتزلف والتملق والنفاق المصطنع وكثير من المسؤولين و صلوا إلى مناصبهم ومواقعهم بهذا السلوك المنحرف وتلك الصفات القبيحة من التملق والواسطة و المحسوبية وهم ليسوا مؤهلين ولا يحسنون فن القيادة او الإدارة أو التطوير وأن أول من استخدم نظام مسح الجوخ عالميا هو المفكر السياسي ميكافيلي حين وضع نظريته الغاية تبرر الوسيلة ومن تطرهات وويلات مسح الجوخ واثاره السلبية على المجتمع والإدارة العامة انه يحول بعصاه السحرية العجوز الشمطاء لفتاة حسناء وأصحاب العقول الخرقاء والنفوس الجوفاء لناس في أعلى المراكز المناصب القيادية و سلالم الارتقاء ويجعل من الغبي أستاذا جامعياً وينقل الوضيع إلى مكان رفيع وإن ماسح الجوخ يبقى يداهن للحاكم والمسؤول ويحلل ما حرّم الله ويعين على الظلم ويزينه ويلازم الفساق والأثرياء اهل الرابا ويمسح عباياتهم المخملية من الأتربة بكرامته وسمعته ويلعق احذيتهم بلسانهحتى يحقق غايته

ومن الصفات غير المحمودة التي تدلك على الشخص ماسح الجوخ المتملق انه يقوم بالمديح الزائف والرياء والنفاق والتزلف وتقبيل الأيادي والتذلل والخضوع لأصحاب المال والسلطة وكل من له مصلحة معهم بهدف التسلق وتحقيق مكتسبات لا يستحقها وتجده في أي خلاف أو صراع مع الطرف الأقوى ظالم او مظلوم وهو ذلك الشخص الذي يقفز من مكانه سريعاً ليلبي طلب المدير بكأس ماء أو خدمة آخري خلال اجتماع عمل أو زياره وهو الذي تجده يضحك بصوت عالٍ حين يلقي المدير بفكاهة غير مضحكة فترى وجهه مصفرا ممتقع بالحقارة والنفاق
وبينما يقضي الشرفاء والمخلصين ليلهم ونهارهم في العمل الجاد والمنتج في إعداد الخطط والبرامج ومتابعة تنفيذها للحصول على مكافأة أو ترقية يأتي هذا المخلوق الهجين على حين غرة فينافسهم مكانتهم واعمالهم من دون أي جهد أو تعب وفي كثير من الأحيان يحظى بالترقية والتكريم قبلهم جميعا لأنه الأقرب إلى قلب وعقل المسؤول

ومن المؤسف ان هنالك الكثير من الأمثال والأقوال الشعبية المستخدمة اليوم والتي تدعو و تدعم مثل هذه التصرفات المشينة حيث يقال في سوريا مثلا "تمسكن لتتمكن" و"يلي بيعرف يمسح جوخ أحسن من يلي بأيدو صنعة" و"بوس الأيادي لتضحك عاللحى" و "تملق لتتسلق". ويقال في الأردن "هز الذنب هز اذا حابب تعيش بعز وظل احلم بالمدير لما تشوفه فز ما يفوتك يوم دون ما تبوس الراس وهز الذنب لازم يكون طبع ومراس وفكر بكلامي إذا بدك تصير كبير والوصول سهل حتى لمنصب الوزير بالنفاق والتزلف

هؤلاء هم المتسلقين والوصوليين أصحاب الولااءات للمصالح الفردية النفعية يعيشون بيننا ويعيثون فسادا فينا ويتدرجون في المراتب والمناصب وهم عصابة مجرمة قتلت عن عمد وسبق إصرار الكفاءات الوطنية الصادقة وقزمت انجازات المجتهدين وإهدرت مقومات التنمية والتقدم والازدهار ورسمت اسوأ صورة للانسانية

اخي المواطن الكريم والموظف الأمين الشريف المنتمي لا تترك نفسك متراسا للباطل في وجه الحق واعلم ان خوفك وحبك لله ثم دينك ينبغي ان يغلب على كل حب للشهوات و الأموال و الجاه و السلطان لتنال مبتغاك من الله رضوان ورحمة وجنة عرضها السموات والأرض يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من اتى الله بقلب سليم فلا تسمح للباطل أن يتجمل بك فيعلو فهذا هو العار بذاته وأبشع صوره ولا تطيع نفسك بأن تكون في صف من باع الدين والوطن والضمير والأخلاق لتخسر دنياك و آخرتك فتصبح مذموما مدحورا

mahdimubarak@gmail.com