الشريط الإعلامي

(لا تُفسدوا في الأرض...)!

آخر تحديث: 2018-09-13،
د. صالح سالم الخوالدة
(لا تُفْسِدوا في الأرض) ...!
واجه نفسك بنفسك، أو دبّر حالك...، نداء فرضه مُفسِدون، وصارت الناس تعيشه على أمل أن تستقر أمورهم، (دقّوا) ببعضهم بعضا، عادت بينهم ثأرات كُليب، وما بين موالي ومعارض، ومحرّض وشريف، وحر وسحّيج؛ تحوّلنا إلى (ثدييّات) منغلقة على نفسها، تتكاثر ثمّ تنعزل.
فاسدون دأبهم شراء (كفن) الإصلاح وحفر قبره، يتعاملون مع الناس الفقراء والضّعفاء والمُهمّشين بالقوانين، ويستخدمونها خائفين جبناء كجدار يتمترسون ويقاتلونهم من خلفها، (يدعسون) عليها إن هي أوقفت أو أخّرت خط سير مصالحهم، يُحاكمون القاتل والمُفسِد كمتهم في تعاطى حبّة (كبتاجون)، ويُحاكمون المُصلِح أو الشّريف كخائنٍ أو جاسوس، يُقوّمون ظهر الفساد مع مرور الوقت بدلاً من كسره.
أجبرو الناس أن تُفصِح وتقدم أسوأ ما عندها، فعلمتموهم كيف يفسدون ويخونون، وكيف يستمرئون الإتهامات ويستسهلونها، أذبتم سجيّتهم بصدورهم، لكي لا يتعاطفون مع بعضهم بعضا، أو مع شهيد أو مريض أو مصاب أو مظلوم، أو قريب، أو جار، ولكي بالتالي لا يتعاطفون مع إصلاح أو محاولة لتغيير الواقع، ألسنتهم إعوجّت من التظلّم والشكوى والكلام السّياسي (الفاضي)، وعُميَت عيونهم وأبصارهم وبصائرهم من متابعة قنواتكم وإذاعاتكم وجرائدكم المتعدّدة، وكل منها ينقل كارثة أو مصيبة في نفس الوقت، فلم يعد لدى النّاس أي طعم لشيئ أو (لاقه).
و(بين جَدْ الغلاء، وهزل الرّاتب...)؛ يذهب الناس صباحاً كل إلى عمله، فلا يعملون لعدم قدرتهم على العمل، مريضون متثاقلون، فقط وجلون خائفون على طعام وأمن أبنائهم وأهل بيتهم، فلم يبقَ لهم شيئ آخر سواهم يخافون عليه، أحاديثهم أصبحت كلّها (للخلف دُرْ)، فلا تسمع منهم ولو كلمة إلى (الأمام سِرْ)، فأي أمام وأي سِر، وهم لا يملكون ثمن إبريز لإشعال (نيون)، أو قارورة ماء يضعونها على (الكولر)؟ عدا عن أن من لم يمت منهم مجّاناً بحوادث السّيّارات ع الدّاخلي أو الصّحراوي، يموت بسعر التّكلفة بصعقة كهرباء أو بسبب غفوة من التعب إختناقاً بصوبة تُسمّى حطب ووقودها للأسف هو خلطة من (الجفت والزرابيل)، أو يموت حرامي وقاطع طريق بسبب جوعه البائن وعوزه المدقع، فالموت المجاني - مدني عسكري - أفقد النّاس الشعور بالصدمة، ولم يعد يُثير في الناس أي تعاطف ...، لقد أفقدها الشعور، وتبلّدت إحاسيسها...، نفقد أفضلنا كل يوم، تُقيم النّاس إقامة إجباريّة في المستشفيات، وأصبح المشهد مألوفاً، لدرجة أننا ألفنا صوت أسراب (أومبلنصات) الإسعاف كما نألف صوت بائع (شعر البنات) أو بائع (التّرمس) أمام حديقة ألعاب.
لقد أفسدتم حلم الناس في أن يكونوا جميلين رائعين، وجعلتموهم (شِيَعاً) يرْثُون أنفسهم، ويلطمون وجوههم، ويعارضون ويهاجمون وينتقدون، ويتقاتلون...، بدلاً من أن تجعلوهم صفّاً، يضعون (طوبه فوق طوبه) ليبنوا أخيراً بلدنا – الأردن - كما حَلِموا وأحبّوا.
كنّا نصدقكم عندما قلتم وقرأتم علينا: (إنما نحن مصلحون)، وأتى دورنا لنقولها لكم كما ينبغي، ونقرأها عليكم: (والله المُستعان على ما تصفون)...!!!