الشريط الإعلامي

الرحلة اليابانية

آخر تحديث: 2018-09-03، 06:55 am
خالد ابو الخير



بقيت بلاد اليابان سراً غامضاً لسكان العالم الاسلامي، الذين وإن تمكنوا من الوصول إلى بعض الجزر والأماكن «الدول» حالياً في شرق آسيا، إلا ان اليابان كانت بعيدة الشقة، والسفر اليها بحراً صعب في تلك الأزمان.
والغريب أن أولئك الرحالة المسلمين الذين وطئوا بلاد الشمس بعد رحلات صعبة محفوفة بالمخاطر والمشقات ونشروا الاسلام فيها، مجهولون بالنسبة للعديد من القراء، بل ربما أن ثمة من لا يعلم أن في اليابان مسلمين أصلاً.
تقول المراجع التاريخية إن اليابانيين تعرفوا على الاسلام من الكتب الصينية، وإن أول اتصال «رسمي» بين اليابانيين والمسلمين كان عندما بدأت اليابان انفتاحها على العالم الخارجي، فقد زارتها سفينة حربية تركية عام 1889، لكنها تحطمت أثناء عودتها قرب جزر اليابان، ومات العديد من طاقمها، فأرسلت اليابان إحدى سفنها تحمل الأحياء من طاقمها إلى اسطنبول.
وكان على متن السفينة شخص يدعى «تورا جيوروا يامادا»، وبقي في تركيا ثمانية عشر عاما، واعتنق الاسلام، ولعب دورا هاما في تطور العلاقات بين اليابان والعالم الإسلام.
يعتبر أول من أسلم من اليابانيين الصحفي عبد الحليم أوشاتارو نودا الذي ساهم في إرسال المعونات لأهالي متضرري السفينة في تركيا.
أما اول عربي وصل إلى اليابان فيقال انه كان مصرياً من الصعيد يدعى الصحفي الشيخ علي الجرجاوي.
والجرجاوي المولود في قرية القرعان التابعة لمركز جرجا بمحافظة سوهاج، في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، تلقى علومه الأولى علي يد الكتاب، ثم تلقى اوليات العلوم الدينية على يد عدد من علماء جرجا، ثم رحل إلى القاهرة والتحق بالأزهر الشريف لاستكمال الدراسة واكمل دراسته بمدرسة القضاء الشرعي ونال إجازتها العلمية، واشتغل بالمحاماة أمام المحاكم الشرعية، وأسس صحيفة «الإرشاد»، وعمل رئيسًا لجمعية الأزهر العلمية.
تبدأ حكايته عام 1906، عندما قرأ خبراً في صحيفة يفيد بأن رئيس وزراء اليابان الكونت «كاتسورا» أرسل خطابات رسمية إلى دول العالم ليرسلوا إليهم العلماء والفلاسفة والمشرعين وكل أصحاب الديانات لكي يجتمعوا في مدينة طوكيو في مؤتمر عالمي ضخم للمقارنة بين الأديان المختلفة من أجل اختيار أفضلها وأصلحها، حتى يصبح الدين الرسمي للامبراطورية.
ويذكر الجرجاوي أن اليابانيين بعد انتصارهم على روسيا في أيلول 1905، رأوا أن معتقداتهم الأصلية لا تتفق مع عقلهم الباهر، فاقترح عليهم الكونت كاتسورا فكرة المؤتمر.
أسرع هذا الصعيدي المتحمس لنصرة دينه إلى شيوخ الأزهر يستحثهم على التحرك السريع لانتهاز هذه الفرصة الذهبية لنقل دين محمد صلى الله عليه وسلم إلى أقصى بقاع الأرض، لكنه لم يسمع منهم سوى عبارات «إن شاء الله» و»ربنا يسهل» وهكذا!
فكتب الشيخ في صحيفته الخاصة «الإرشاد» نداء عاماً لعلماء الأزهر لكي يسرعوا بالتحرك قبل أن يفوتهم موعد المؤتمر، دون فائدة ترجى.
لم يستسلم الجرجاوي لكل هذا الاحباط، فباع خمسة أفدنة من الأرض كانت جل ثروته لينفق منها على تكاليف مغامرته العجيبة.
استقل أولاً باخرة من الإسكندرية إلى إيطاليا، ومنها إلى عدن في اليمن، ومنها إلى بومباي في الهند ومن ثم إلى كولمبو في جزيرة سيلان، ومن هناك استقل باخرة لشركة إنجليزية متجهة لسنغافورة، ثم إلى هونج كونج، ثم سايغون في فيتنام؛ ليصل أخيراً إلى ميناء يوكوهاما الياباني بعد مغامرة بحرية لقي خلالها أشد الأهوال والمصاعب.
ما إن ترجل من الباخرة حتى تفاجأ بوجود شيخ هندي وشيخ بربري من مشايخ القيروان في تونس، وشيخ صيني من تركستان الشرقية، وشيخ قوقازي من مسلمي روسيا، كل هؤلاء جاؤوا مثله على نفقتهم الخاصة، ليجدوا أن الخليفة العثماني عبد الحميد الثاني أرسل وفداً كبيراً من العلماء الأتراك لهذه الغاية!
تجمع الدعاة وشكلوا وفداً إسلامياً، واستقلوا القطار إلى حاضرة اليابان يسبقهم الأمل بحمل رسالة الاسلام إلى امبراطور اليابان شخصياً.
في طوكيو أسلم الآلاف على أيدي تلك المجموعة، وينقل الجرجاوي إعجاب اليابانيين بالإسلام، وأن المؤتمر انتهى دون الاستقرار على دين بعينه؛ إذ إن كل مجموعة من اليابانيين استحسنت دينًا دون الاتفاق على واحد منها، وأن غالبية من حضروا المؤتمر من اليابانيين وجدوا في أنفسهم ميلاً للإسلام الذي أحسن علماؤه بيان ما فيه من قواعد ومبادئ يتفق معها العقل والمنطق.
ويذكر أيضاً أن امبراطور اليابان «ألماكيدو» نفسه كاد أن يسلم بعد أن أبدى إعجابه بالإسلام، لكنه أسر للشيخ الجرجاوي أنه إذا وافق الوزراء على تغيير دين الآباء فإنه سيختار الإسلام بلا أدنى شك.
لم يضع الجرجاوي وقته، فقد خرج الى شوارع طوكيو يرافقه مترجم لنشر رسالة الاسلام، وقد أسلم على يديه آلاف اليابانيين.
وقدر للشيخ الجرجاوي أن يعود إلى مصر ليصف تلك الرحلة العجيبة إلى بلاد الشرق في كتاب من أجمل كتب أدب الرحلات في القرن العشرين أسماه «الرحلة اليابانية»، وضع فيه نفائس القصص الممتعة وغرائب الحكايات الشيقة التي عايشها في رحلته الدعوية إلى اليابان.
من مقدمة كتابه نقتطف: «وضعت هذا السفر عن رحلتي الى بلاد اليابان وأودعته أخبار تلك الأمة الراقية ما تغني مطالعته عن النديم والسمير، وحسبي شرفاً أنها رحلة أول مصري وطأت قدمه تلك الأرض من قديم الزمان الى الآن. وأهدي هذا الكتاب الى شباب مصر ليعلموا أن أمة (وهي اليابان) عمر نهضتها ثلاثون عاماً تنظر لها الأمم الأخرى نظرة الإجلال، حتى إذا قرأوا الرحلة بعثت فيهم النشاط، والتي ما تحملت وعثاء الســفر إلا لأجل نفع بلادي وخدمة ديني وجامعتي (لعلها الجامعة الإسلامية أو الأمة الإسلامية)».
الرحلة اليابانية رحلة عجيبة حقاً، بيد أن أهم ما فيها، ان رجلا واحداً يقدر ان يغير لو عقد العزم وجرب.