الشريط الإعلامي

حقائق وارقام متضاربة حول " داعش "

آخر تحديث: 2018-08-27، 05:58 am
حسن ابو هنية
 

تشكل محاولة الاقتراب من فهم وتحليل وتفسير ظاهرة "الإرهاب" المعاصر تحدياً لا نظير له بين مختلف المجالات العلمية والحقول المعرفية الإنسانية والاجتماعية، حيث تتداخل الإبستمولوجيا والمعرفة بالأيديولوجيا والسياسة، والأجندة والدعاية بالحقائق والوقائع، فمصطلح "الإرهاب" نفسه بات أقرب إلى الذاتية من الموضوعية، مع الإصرار الدولي على الاختلاف حول المفهوم وعدم الاتفاق على تعريف محدد خشية أن يطال أي حد مقترح منظومة الدول ذاتها، أو يشرعن مقاومة السلطة، وقد أصبح مسمى "الإرهاب" لا يتوافر على مصداق خارج أطر المصلحة والسيادة والقوة، رغم سهولة تبيّن حقيقته الابستمولوجية المعرفية كظاهرة عنف سياسي، وإمكانية التعرف على أسبابه وجذوره السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وارتباطه بالتدخلات الخارجية والتعسفات المحلية، ومع ذلك فإن ملف الحرب على الإرهاب المتفق عليه أمميا مجسداً بتنظيم الدولة الإسلامية "داعش" يلفه الغموض وتتضارب فيه الحقائق والأرقام بين التهويل والتهوين. لطالما كان الإعلان عن صعود وتمدد وانتشار تنظيم "داعش" ثم الإعلان عن أفوله وانحساره وهزيمته مجالاً بحثياً ملتبساً اختلطت فيه الدوافع المعرفية الإبستمولوجية بالدوافع الاستراتيجية الإيديولوجية، وعقب فترة قصيرة من الاحتفاء بهزيمة "داعش" في
العراق وسوريا، عاد الحديث عن تكيّف التنظيم مع الخسائر وتنامي التبشير بتعاظم خطورته على الأمن الدولي والإقليمي والوطني، وظهرت قناعة جديدة باتت راسخة لدى الخبراء والباحثين ومراكز الأبحاث والأجهزة الاستخبارية الدولية أن هزيمة تنظيم "داعش" بصورة نهائية لا تتمتع بالواقعية والمصداقية، فعلى الرغم من طرد التنظيم من مناطق سيطرته المدينية الحضرية في العراق وسوريا والإعلانات المحلية بنهاية التنظيم، إلا أن الوقائع كشفت عن حقائق مذهلة تتعلق بسرعة تكيّف التنظيم مع التطورت الميدانية، والمرونة الشديدة بالتحول إلى حالة اللامركزية وإعادة الهيكلة التنظيمية عسكرياً وأمنياً وإدارياً وشرعياً، وقد جاءت كلمة زعيم تنظيم الدولة الإسلامية الأخيرة أبو بكر البغدادي في سياق تأكيد مسارات إعادة الهيكلة والإعلان عن تدشين حقبة جديدة تقوم على مبدأ "الصبر الاستراتيجي"، فحسب البغدادي "دولة الخلافة باقية وليست محصورة في هجين" في إشارة إلى جيب للتنظيم في دير الزور، وأميركا بـانتظار "اهوال" تفوق معارك العراق وأفغانستان. تعتبر مسألة تضارب الأرقام حول عدد مقاتلي "داعش" منذ صعوده حتى أفوله المفترض شائكة وغامضة، فحسب ميشال موتو أمام تقديرات دولية مختلفة كثيرا، ودعاية جهادية على شبكة الإنترنت تسعى إلى إقناع العالم بأن هزيمتهم على الأرض ليست فعلاً هزيمة، ونظراً إلى الغموض المتأصل في مناطق الحرب، التي لا يستطيع خبراء مستقلون الوصول إليها، فإن الغموض حول الأعداد غير الدقيقة لعناصر تنظيم الدولة الإسلامية يمكن أن يستمر، كما يعتبر رسميون وخبراء. وعلى الرغم من الاختلافات المتعلقة بتقدير أعداد المقاتلين في صفوف "داعش"، إلا أن الأرقام الأكثر موثوقية متقاربة نسبياً على صعيد العدد الكلي، مع تضارب شديد في حجم مشاركة الدول، وكانت التقديرات تتغير مع مرور السنوات نظراً لاستمرار عمليات التطويع والاستقطاب، لكنها اكتملت بحلول عام 2018 ،وقد بلغ عدد المقاتلين الأجانب حسب التقارير البحثية والاستخبارية الأكثر موثوقية قرابة 40 ألف مقاتل أجنبي، فبحسب تقرير مركز "مجموعة صوفان" الاستشاري للشؤون الأمنية الذي صدر في أكتوبر 2017 أكثر من 40 ألف أجنبي من 110 دول، وقد بلغ عدد العائدين إلى بلدانهم ما لا يقل عن 5600 عنصر، وهي أرقام تتطابق مع التقديرات الأميركية الصادرة في يوليو 2017 ،فبحسب نيكولاس راسموسن مدير المركز الوطني الأميركي للمكافحة فإن أجهزة المخابرات الأميركية قدرت أن نحو 40 ألف أجنبي انضموا للدولة الإسلامية في سوريا والعراق. كانت "مجموعة صوفان" قد أصدرت ورقتين سابقتين الأولى بعنوان "المقاتلون الأجانب في سوريا" في يونيو 2014 ،وقدرت عدد المقاتلين الأجانب بـ 12000 من 81 بلداً، والثانية بعنوان "المقاتلون الأجانب ـ تقييم حديث لتدفق المقاتلين الأجانب إلى سوريا والعراق" في ديسمبر 2015 ،وقدرت العدد بـ 27000 مقاتل أجنبي من 86 دولة على الأقل، وأشارت تقديراتلحكومة الأمريكية في 2014 إلى أن العدد يتراوح بين 20000 و31500 ،وأشارت التقديرات الروسية إلى وجود أكثر من ضعف هذا العدد، وفي مطلع عام 2016 ذكر مدير المخابرات الوطنية جيمس كلابر للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ قائلاً : "لقد سافر ما لا يقل عن 38200 مقاتل أجنبي، منهم 6900 على الأقل من الدول الغربية إلى سوريا من 120 بلدا منذ اندلاع النزاع في عام 2012. عقب الإعلانات المحلية العراقية والسورية المتسرعة عن هزيمة "داعش" نهاية 2017 ،برزت أرقام متضاربة عن عدد قتلى التنظيم في ظل مبالغات دعائية سياسية، فقد عمدت روسيا إلى إصدار تقديرات مبالغة لتبرير تدخلها والاحتفاء بانجازاتها، حبث أعلن رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية، فاليري غيراسيموف في 27 ديسمبر 2017 أنه تم خلال العامين الأخيرين القضاء على نحو 60 ألفا من مسلحي "داعش" بسوريا، بينهم أكثر من 2800 من المنحدرين من روسيا، وقال غيراسيموف إن عدد قوات "داعش" في سوريا في 30 سبتمبر عام 2015 بلغ نحو 59 ألفا، وإن وحدات التنظيم تمكنت خلال العامين من تجنيد حوالي 10 آلاف. لا تقتصر المبالغة على الروس فقد كشف قائد العمليات الخاصة في وزارة الدفاع الأميركية الجنرال ريموند توماس في 15 فبراير 2017 ،أن التحالف الدولي لمحاربة "داعش"، قتل أكثر من 60 ألف عنصر من التنظيم الإرهابي، دون أن يحدد عدد المقاتلين وجنسياتهم، وبحسب تغريدة منشورة على حساب التحالف الدولي على "تويتر" في 5 ديسمبر 2017 ،أنه وفق التقديرات الراهنة فإن أقل من 3 آلاف عنصر من داعش حالياً في العراق وسوريا، بينما تقول روسيا أنهم قرابة 10 آلاف مقاتل، وحسب مجموعة "صوفان الدولية للاستشارات الإستراتيجية والاستخباراتية" في تحليل لها "في ديسمبر 2017 قدر المتحدث باسم التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة عدد مقاتلي الدولة الإسلامية الباقين في العراق وسوريا بحوالي ألف". بعد كلمة زعيم تنظيم "داعش أبو بكر البغدادي الأخيرة في 22 أغسطس 2018 التي جاءت بعد نحو عام من كلمته السابقة في سبتمبر 2017 ،بدأت تظهر سريعاً أرقام مغايرة حول عدد مقاتلي التنظيم في سوريا والعراق، وذلك عقب نهاية مشروع التنظيم السياسي كـ "دولة" تتوافر على هياكل للسلطة والحكم وتسيطر مكانياً على مناطق مدينية حضرية وتستند في نهجها العسكري إلى منطق الحروب النظامية الكلاسيكية، حيث أسست كلمة البغدادي إلى عودة التنظيم لسيرته الأولى بالحفاظ على وجوده كمنظمة تتوافر على إيديولوجيا وهيكل تنظيمي وتمويل يستند بصورة أساسية إلى حرب العصابات وتكتيكات الاستنزاف في المناطق الأكثر صعوبة في العمق الصحراوي، فضلاً عن الاحتفاظ بمفارزه الأمنية وخلاياه وشبكاته المنتشرة في المدن.
في تقريرها الأخير أشار خبراء مجموعة صوفان إلى أن "وزارة الدفاع الأميركية حددت لتوها عدد جهاديي الدولة الإسلامية في العراق من 15500 إلى 17 ألفا، وبما يناهز 14 ألفا في سوريا، وهذه الفوارق الكبيرة في التقديرات باتت معهودة في إطار الحملة ضد الدولة الاسلامية منذ بدايتها في 2014 ،"وفي التقرير الأخير الأحدث للأمم المتحدة، حدد مراقبون للأمم المتحدة عدد مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية، الذين ما زالوا موجودين في العراق وسوريا، بعشرين إلى ثلاثين ألفا. يشير ميشال موتو في مقاله بعنوان "الغموض يلف العدد الحقيقي لمقاتلي تنظيم "الدولة الإسلامية"، إلى أن هذه الفوارق حول العدد الدقيق لعناصر التنظيم الجهادي بدأت منذ تأسيسه: فهو يتحدر من حركات بقيت تعمل في الخفاء طوال سنوات في العراق، ثم من متطوعين أتوا من جميع أنحاء المنطقة، وانضم إليهم لاحقا متطوعون أتوا من جميع أنحاء العالم، وقد اجتازوا الحدود، لا سيما الحدود بين تركيا وسوريا، بطريقة سرية، ولا تتوافر لأجهزة الاستخبارات الدولية إلا تقديرات حتى الآن. في تصريح لوكالة "فرانس برس"، قال جان-شارل بريزار، رئيس مركز "تحليل الإرهاب" بباريس "اليوم، العقبة الرئيسية التي تحول دون التوصل إلى رقم جدير بالثقة، هي أننا لا نعرف عدد القتلى في صفوفهم، خلال عمليات التحالف والعمليات الروسية والعمليات العراقية أو التركية"، وأضاف أن "جثث الجهاديين القتلى في هذه الغارات الجوية غالباً ما تبقى تحت الأنقاض، ولا يذهب أحد لانتشالها. لذلك، طالما أننا لا نعرف العدد الدقيق لقتلاهم، فهم يعتبرون أحياء. حتى إن البعض منهم يحاكمون عن طريق الخطأ"، وأضاف بريزار "سنبقى في حالة الارتياب حول الأرقام الدقيقة". وقال إن "كل ما نعرفه هو أن عمليات إعادة انتشار تحصل في مناطق أخرى، باكستان وأفغانستان والفيليبين. ما زالت تتوافر لديهم قدرات على التحرك لاجتياز الحدود". خلاصة القول أن تحقيق نصر نهائي على "داعش" يبدو يعيداً، فمع نهاية مشروع التنظيم السياسي المؤقتة المرتبط بالسيطرة المكانية على المناطق الحضرية وفرض حكامته وسلطته كدولة، فإن واقع المنظمة يغدو أكثر فاعلية وأشد مرونة فإعادة هيكلة تنظيم الدولة باتجاه اللامركزية سوف يشكل تحدياً للاستقرار في إطار مبدأ الصبر الاستراتيجي، إذ يعتبر الخبراء في مجموعة "صوفان" أنه "حتى لو أن تنظيم الدولة الاسلامية عاد إلى حالة التمرد، فهو لا يزال واحدا من أقوى الجماعات الإرهابية في التاريخ، ولا يفتقر إلى الأسلحة ولا إلى المجندين