الشريط الإعلامي
عاجل

الاستثمار العربي في الصحافة البريطانية

آخر تحديث: 2018-08-25، 08:36 am
مالك التريكي


أي خبر عن اعتزام رجال أعمال عرب شراء جريدة أوروبية أو أمريكية جادة لا يمكن إلا أن يثير الترحاب المبدئي أو على الأقل الاهتمام الإيجابي. لهذا اهتممنا عندما نشرت الصحافة الماليزية قبل خمسة أعوام أنباء عن دخول شركة أبو ظبي للإعلام، بالتحالف مع إمبراطور الإعلام روبرت مردوخ، في مفاوضات حول شراء مجموعة فاينانشال تايمز العريقة. ولهذا أيضا كتبنا هنا عام 2009 ننادي: «أيها العرب اشتروا الاندبندنت!»، وذكرنا أن ما نقصده ليس مجرد تشجيع القرّاء العرب على شرائها وقراءتها، وإنما استنهاض همة رجال الأعمال العرب لامتلاكها وتوظيفها في خدمة قضايا العرب الوطنية والقومية. ولكن رغم أن الجريدة ظلت معروضة للبيع طيلة عام تقريبا، فإن أيا من رجال الأعمال العرب أو مسؤولي الصناديق السيادية الخليجية لم يهتم بها، حتى أتى المستثمر الروسي، عميل كي جي بي السابق، ألكسندر ليبيديف فاشتراها بمثلما فعل مع صحيفة لندن ايفننغ ستاندارد.
من المفترض إذن أن خبر اعتزام أي مستثمر عربي شراء مؤسسة إعلامية غربية هو خبر جيد مبدئيا. لماذا؟ لأننا في أمسّ الحاجة إلى أن يبدأ رأس المال العربي، استثماريا كان أم سياسيا، في امتلاك مؤسسات إعلامية عالمية، على أن يكون الشرط الأساسي هو التحكم في سياستها التحريرية بما يتيح خدمة القضايا العربية لدى الرأي العام العالمي. ولكن زمننا العربي هذا قد دار دورة عجيبة أفرغت معظم الأشياء من معناها. فها إن العرب أقبلوا فعلا، العام الماضي، على شراء حصة كبرى في الاندبندنت. ولكن هل لهذا من معنى؟ الحكاية وما فيها أن خطة استحواذ ولي العهد السعودي على السلطة والثروة في بلاده تحتاج أن ترفد بحملة علاقات عامة دائمة ترمي لتلميع صورته وإظهاره بمظهر المصلح الحداثي! وإذا كان هذا الكلام يبدو غير قابل للتصديق، فإنه مقنع تماما بالنسبة له ولحاشيته بعدما رأوا كيف أن حملة العلاقات العامة التي واكبت زيارته لأمريكا وأوروبا قد نجحت في منع الإعلام الغربي من مجابهته بالحقائق الصادمة عن حكمه الاستبدادي وإجراءاته التنكيلية.
وقد اتخذ هذا النجاح التسويقي مظاهر متعددة، منها أن معظم البرامج الإذاعية والتلفزيونية في بريطانيا وفرنسا وأمريكا لم تستضف، أثناء الزيارة، من ينتقد انتهاكات حقوق الإنسان في السعودية. بل كان من اللافت أن بعض الضيوف الغربيين لم يتحرجوا من إطراء ولي العهد. كما أن مجلة لوبوان، على سبيل المثال، قد خصصت له موضوع غلاف تحت عنوان تقريظي: «الأمير الذي يستطيع تغيير كل شيء»، بينما كان الملف الذي خصصته بعد ذلك لأوردوغان يحمل عنوان «الدكتاتور». أي أن الحكم في تركيا دكتاتوري، أما في السعودية فهو ليبرالي!
ولأن الطريق سالكة، على ما يبدو، فها إن الأنباء ذكرت الخميس أن السعودية تستعد، مع شريكها في مجموعة الاندبندنت يفغيني ليبيديف، لشراء جريدة الديلي تلغراف اليمينية المحافظة، التي هي من أرقى الصحف البريطانية وأعرقها. بل إن الشريكين يعتزمان إسناد رئاسة التحرير إلى بول ديكر المحرر السابق للديلي ميل، أشد الجرائد البريطانية يمينية وشعبوية وتأثيرا في العمق الانتخابي الانكليزي المحافظ.
بهذا تكون «دبلوماسية دفاتر الشيكات» قد دفعت الماكيافيلية إلى أقصى مدى: ذلك أن الاندبندنت، التي أسست عام 1986، جريدة يسارية أو ليبرالية، وهي معروفة بكثرة انتقادها للأوضاع داخل السعودية. أما الديلي تلغراف، التي أسست عام 1855، فهي عريقة في اليمينية، وهي جريدة «الاستابلشمنت» السياسي والعسكري، كما أنها الجريدة المفضلة لدى الجالية اليهودية.
لو كان هذا الجمع الاستثماري السعودي بين أقصى طرفي الطيف الصحافي البريطاني يرمي لخدمة قضية أو للدفاع عن حق، لكان ذلك من أذكى الاستراتيجيات الإعلامية العربية. ولكن هل ستنجح الخطة، على الأقل، في منع انتقاد حكام السعودية في الاندبندنت والديلي تلغراف في المستقبل؟ تشير تجربة شركة أوربيت السعودية مع تلفزيون بي بي سي عام 1995 إلى أن الخطة قد لا تنجح. ولكن لا يمكن الجزم. فقد فسد الزمن، وزلزل زلزال الصحافة وتزايدت قدرة الأنظمة التسلطية على اختراق المجتمعات الديمقراطية.